وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
[طه: 82] ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ﴾ هذه معجزة أخرى لموسى تدل على باهر قدرة الله والمعنى أدخل يا موسى يدك في فتحة ثوبك ثم أخرجها تخرج مضيئة ساطعة بيضاء تتلألأ كالبرق الخاطف دون مرض أو برص ﴿ في تسع آيات إلى فرعون وقومه ﴾ أي هاتان المعجزتان " العصا واليد " ضمن تسع معجزات أيدتك بها وجعلتها برهانا على صدقك لتذهب بها إلى فرعون وقومه ﴿ إنهم كانوا قوما فاسقين ﴾ أي خارجين عن طاعتنا، ممعنين في الكفر والضلال ﴿ فلما جآءتهم آياتنا مبصرة ﴾ أي فلما رأوا تلك المعجزات الباهرة، واضحة بينة ظاهرة ﴿ قالوا هذا سحر مبين ﴾ أي أنكروها وزعموا أنها سحر واضح ﴿ وجحدوا بها ﴾ أي كفروا وكذبوا بتلك الخوارق ﴿ واستيقنتهآ أنفسهم ﴾ أي وقد أيقنوا بقلوبهم أنها من عند الله وليست من قبيل السحر ﴿ ظلما وعلوا ﴾ أي جحدوا بها ظلما من أنفسهم، واستكبارا عن اتباع الحق، وأي ظلم أفحش ممن يعتقد ويستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله، ثم يكابر بتسميتها سحرا؟ ولهذا قال ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ أي انظر أيها السامع وتدبر بعين الفكر والبصيرة ماذا كان مآل أمر الطاغين، من الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة؟ قال ابن كثير: وفحوى الخطاب كأنه يقول: احذروا أيها المكذبون لمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم مثل ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم ﴿ ولقد آتينا داوود وسليمان علما ﴾ هذه هي القصة الثانية في السورة الكريمة وهي قصة " داود وسليمان " والمعنى والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من علوم الدنيا والدين، وجمعنا لهما بين سعادة الدنيا والآخرة قال الطبري: وذلك علم كلام الطير والدواب وغير ذلك مما خصهم الله بعلمه ﴿ وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ﴾ أي وقالا شكرا لله الحمد لله الذي فضلنا بما آتانا من النبوة، والعلم، وتسخير الإنس والجن والشياطين، على كثير من عباده المؤمنين ﴿ وورث سليمان داوود ﴾ أي ورث سليمان أباه في النبوة، والعلم، والملك دون سائر أولاده قال الكلبي: كان لداود تسعة عشر ولدا فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء ﴿ وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير ﴾ أي وقال تحدثا بنعمة الله: يا أيها الناس لقد أكرمنا الله فعلمنا منطق الطير وأصوات جميع الحيوانات ﴿ وأوتينا من كل شيء ﴾ أي وأعطانا الله من كل شيء من خيرات الدنيا يعطاها العظماء والملوك ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ أي إن ما أعطيناه وما خصنا الله به من أنواع النعم لهو الفضل الواضح الجلي، قاله على سبيل الشكر والمحمدة لا على سبيل العلو والكبرياء ﴿ وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ﴾ أي جمعت له جيوشه وعساكره وأحضرت له في مسيرة كبيرة فيها طوائف الجن والإنس والطير، يتقدمهم سليمان في أبهة وعظمة كبيرة ﴿ فهم يوزعون ﴾ أي فهم يكفون ويمنعون عن التقدم بين يديه قال ابن عباس: جعل على كل صنف من يرد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك ﴿ حتى إذآ أتوا على واد النمل ﴾ أي حتى إذا وصلوا إلى واد بالشام كثير النمل ﴿ قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ أي قالت إحدى النملات لرفيقاتها ادخلوا بيوتكم، خاطبتهم مخاطبة العقلاء لأنها أمرتهم بما يؤمر به العقلاء ﴿ لا يحطمنكم سليمان وجنوده ﴾ أي لا يكسرنكم سليمان وجيوشه بأقدامهم ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أي وهم لا يشعرون بكم ولا يريدون حطمكم عن عمد حذرت ثم اعتذرت لأنها علمت أنه نبي رحيم، فسمع سليمان كلامها وفهم مرامها ﴿ فتبسم ضاحكا من قولها ﴾ أي فتبسم سرورا بما سمع من ثناء النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ وصف لهم بالتقوى والتحفظ من مضرة الحيوان ﴿ وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ﴾ أي ألهمني ووفقني لشكر نعمائك وأفضالك التي أنعمت بها علي وعلى أبوي ﴿ وأن أعمل صالحا ترضاه ﴾ أي ووفقني لعمل الخير الذي يقربني منك والذي تحبه وترضاه ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾ أي وأدخلني الجنة دار الرحمة مع عبادك الصالحين.