البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
1- إطلاق الكل وإرادة البعض ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ أراد بالمرسلين نوحا وإنما ذكره بصيغة الجمع تعظيما له وتنبيها على أن من كذب رسولا فقد كذب جميع المرسلين.
2- الاستفهام الإنكاري ﴿ أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ﴾؟
3- الاستعارة اللطيفة ﴿ فافتح بيني وبينهم فتحا ﴾ أي احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل، استعار الفتاح للحاكم والفتح للحكم لأنه يفتح المنغلق من الأمر ففيه استعارة تبعية.
4- الطباق ﴿ يفسدون.. ولا يصلحون ﴾.
5- الجناس غير التام ﴿ قال.. القالين ﴾ الأول من القول والثاني من قلى إذا أبغض.
6- الإطناب ﴿ أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ﴾ لأن وفاء الكيل هو في نفسه نهي عن الخسران، وفائدته زيادة التحذير من العدوان.
7- المبالغة ﴿ إنمآ أنت من المسحرين ﴾ والمسحر مبالغة عن المسحور.
8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿ يفسدون ﴾ ، ﴿ يصلحون ﴾ ، ﴿ الأرذلون ﴾.
26.192-227
المناسبة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء لرسوله صلى الله عليه وسلم أتبعه بذكر ما يدل على نبوته من تنزيل هذا القرآن المعجز على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين.
اللغة: ﴿ زبر ﴾ الزبر: الكتب جمع زبور كرسول ورسل ﴿ الأعجمين ﴾ جمع أعجمي وهو الذي لا يحسن العربية، يقال: رجل أعجمي إذا كان غير فصيح وإن كان عربيا، ورجل عجمي أي غير عربي وإن كان فصيح اللسان ﴿ بغتة ﴾ فجأة ﴿ منظرون ﴾ مؤخرون وممهلون يقال: أنظره أي أمهله ﴿ أفاك ﴾ كذاب ﴿ منقلب ﴾ مصير.
التفسير: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ أي وإن هذا القرآن المعجز لتنزيل رب الأرباب ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ أي نزل به أمين السماء جبريل عليه السلام ﴿ على قلبك لتكون من المنذرين ﴾ أي أنزله على قلبك يا محمد لتحفظه وتنذر بآياته المكذبين ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ أي بلسان عربي فصيح هو لسان قريش، لئلا يبقى لهم عذر فيقولوا: ما فائدة كلام لا نفهمه؟ قال ابن كثير: أنزلناه باللسان العربي الفصيح، الكامل الشامل، ليكون بينا واضحا، قاطعا للعذر مقيما للحجة، دليلا إلى المحجة ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ أي وإن ذكر القرآن وخبره لموجود في كتب الأنبياء السابقين ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي أولم يكن لكفار مكة علامة على صحة القرآن ﴿ أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ أي أن يعلم ذلك علماء بني إسرائيل الذين يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم كعبد الله بن سلام وأمثاله ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ أي لو نزلنا هذا القرآن بنظمه الرائق المعجز على بعض الأعجمين الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية ﴿ فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ﴾ أي فقرأه على كفار مكة قراءة صحيحة فصيحة، وانضم إعجاز القرآن إلى إعجاز المقروء ما آمنوا بالقرآن لفرط عنادهم واستكبارهم ﴿ كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ﴾ أي كذلك أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، فسمعوا به وفهموه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وتحققوا من إعجازه ثم لم يؤمنوا به وجحدوه ﴿ لا يؤمنون به ﴾ أي لا يصدقون بالقرآن مع ظهور إعجازه ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ أي حتى يشاهدوا عذاب الله المؤلم فيؤمنوا حيث لا ينفع الإيمان ﴿ فيأتيهم بغتة ﴾ أي فيأتيهم عذاب الله فجأة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أي وهم لا يعلمون بمجيئه ولا يدرون ﴿ فيقولوا هل نحن منظرون ﴾ أي فيقولوا حين يفجأهم العذاب - تحسرا على ما فاتهم من الإيمان وتمنيا للإمهال - هل نحن مؤخرون لنؤمن ونصدق ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ إنكار وتوبيخ أي كيف يستعجل العذاب هؤلاء المشركون ويقولون
ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] وحالهم عند نزول العذاب أنهم يطلبون الإمهال والنظرة؟ ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ أي أخبرني يا محمد إن متعناهم سنين طويلة، مع وفور الصحة ورغد العيش ﴿ ثم جآءهم ما كانوا يوعدون ﴾ أي ثم جاءهم العذاب الذي وعدوا به ﴿ مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾؟ أي ماذا ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم، وطيب معاشهم؟ هل ينفعهم ذلك النعيم في تخفيف الحزن، أو دفع العذاب؟ ﴿ ومآ أهلكنا من قرية ﴾ أي وما أهلكنا أهل قرية من القرى، ولا أمة من الأمم ﴿ إلا لها منذرون ﴾ أي إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين ﴿ ذكرى ﴾ أي ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ أي وما كنا ظالمين في تعذيبهم، لأننا أقمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم.