تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى

[طه: 59] ﴿ وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ أي قيل للناس: بادروا إلى الإجتماع لكي نتبع السحرة في دينهم إن غلبوا موسى ﴿ فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ﴾ أي إن غلبنا بسحرنا موسى فهل تكرمنا بالمال والأجر الجزيل؟ ﴿ قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ أي قال لهم فرعون: نعم أعطيكم ما تريدون وأجعلكم من المقربين عندي ومن خاصة جلسائي ﴿ قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون ﴾ في الكلام إيجاز دل عليه السياق تقديره: فقالوا لموسى عند ذلك إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين كما ذكر في الأعراف فأجابهم موسى بقوله ﴿ ألقوا مآ أنتم ملقون ﴾ أي ابدءوا بإلقاء ما تريدون فأنا لا أخشاكم، قاله ثقة بنصرة الله له وتوسلا لإظهار الحق ﴿ فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ أي فألقوا ما بأيديهم من الحبال والعصي وقالوا عند الإلقاء نقسم بعظمة فرعون وسلطانه إنا نحن الغالبون لموسى ﴿ فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ أي فألقى موسى العصى فانقلبت حية عظيمة فإذا هي تبتلع وتزدرد الحبال والعصي التي اختلقوها باسم السحر حيث خيلوها للناس حيات تسعى، وسمى تلك الأشياء إفكا مبالغة ﴿ فألقي السحرة ساجدين ﴾ أي سجدوا لله رب العالمين، بعدما شاهدوا البرهان الساطع، والمعجزة الباهرة ﴿ قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ﴾ أي وقالوا عند سجودهم آمنا بالله العزيز الكبير الذي يدعونا إليه موسى وهارون قال الطبري: لما تبين للسحرة أن الذي جاءهم به موسى حق لا سحر، وأنه مما لا يقدر عليه غير الله الذي فطر السماوات والأرض، خروا لوجوههم سجدا لله مذعنين له بالطاعة قائلين: آمنا برب العالمين الذي دعانا موسى لعبادته، دون فرعون وملئه ﴿ قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ﴾ أي قال فرعون للسحرة: آمنتم لموسى قبل أن تستأذنوني؟ ﴿ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ﴾ أي إنه رئيسكم الذي تعلمتم منه السحر وتواطأتم معه ليظهر أمره، أراد فرعون بهذا الكلام التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أن السحرة آمنوا عن بصيرة وظهور حق قال ابن كثير: وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل، ثم توعدهم بقوله ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ أي سوف تعلمون عند عقابي وبال ما صنعتم من الإيمان به ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي لأقطعن يد كل واحد منكم اليمنى ورجله اليسرى ﴿ ولأصلبنكم أجمعين ﴾ أي ولأصلبن كل واحد منكم على جذع شجرة وأتركه حتى الموت ﴿ قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون ﴾ أي لا ضرر علينا في وقوع ما أوعدتنا به، ولا نبالي به لأننا نرجع إلى ربنا مؤملين غفرانه ﴿ إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانآ ﴾ أي إنا نرجو أن يغفر لنا الله ذنوبنا التي سلفت منا قبل إيماننا به فلا يعاقبنا بها ﴿ أن كنآ أول المؤمنين ﴾ أي بسبب أن بادرنا قومنا إلى الإيمان وكنا أول من آمن بموسى.

البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الكناية اللطيفة ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ كنى به عن الذل والهوان الذي يلحقهم بعد العز والكبرياء.

2- الوعيد والتهديد ﴿ فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ﴾.

3- التوبيخ ﴿ أولم يروا إلى الأرض ﴾ الاستفهام للتوبيخ على تركهم النظر بعين الاعتبار.

4- المقابلة اللطيفة بين ﴿ ويضيق صدري ﴾ ﴿ ولا ينطلق لساني ﴾.

5- جناس الاشتقاق ﴿ رسول.. أرسل ﴾.

6- الجناس الناقص ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ فقد اتفقت الحروف بين (فعلت وبين فعلة) واختلف الشكل فأصبح جناسا غير تام.

7-الإيجاز بالحذف ﴿ قال ألم نربك فينا وليدا ﴾ دل على هذا الحذف السياق تقديره فأتيا فرعون فقالا له ذلك فقال لموسى ﴿ ألم نربك ﴾ وكذلك هناك إيجاز في ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ قال الزمخشري: أصله أرسل جبريل إلى هارون واجعله نبيا وآزرني به واشدد به عضدي فأحسن في الاختصار غاية الإحسان.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٦٨