واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي
[طه: 27-28] ثم زاد اعتذارا آخر بقوله ﴿ ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ﴾ أي ولفرعون وقومه علي دعوى ذنب وهو أني قتلت منهم قبطيا فأخاف أن يقتلوني به ﴿ قال كلا ﴾ أي قال الله تعالى له: كلا لن يقتلوك قال القرطبي: وهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى أي ثق بالله وانزجر عن خوفك منهم فإنهم لا يقدرون على قتلك ﴿ فاذهبا بآياتنآ ﴾ أي اذهب أنت وهارون بالبراهين والمعجزات الباهرة ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ أي فأنا معكما بالعون والنصرة أسمع ما تقولان وما يجيبكما به، وصيغة الجمع " معكم " أريد به التثنية فكأنهما لشرفهما عند الله عاملهما في الخطاب معاملة الجمع تشريفا لهما وتعظيما ﴿ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ﴾ أي فائتيا فرعو الطاغية وقولا له: إنا مرسلان من عند رب العالمين إليك لندعوك إلى الهدى ﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ أي أطلق بني إسرائيل من إسارك واستعبادك وخل سبيلهم حتى يذهبوا معنا إلى الشام ﴿ قال ألم نربك فينا وليدا ﴾ في الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره: فأتياه فبلغاه الرسالة فقال فرعون لموسى عندئذ: ألم نربك في منازلنا صبيا صغيرا؟ قصد فرعون بهذا الكلام المن على موسى والاحتقار له كأنه يقول: ألست أنت الذي ربيناك صغيرا وأحسنا إليك فمتى كان هذا الأمر الذي تدعيه؟ ﴿ ولبثت فينا من عمرك سنين ﴾ أي ومكثت بين ظهرانينا سنين عديدة نحسن إليك ونرعاك؟ قال مقاتل: ثلاثين سنة ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ أي فجازيتنا على أن ربيناك أن كفرت نعمتنا وقتلت منا نفسا؟ والتعبير بالفعلة لتهويل الواقعة وتعظيم الأمر، ومراده قتل القبطي ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ أي وأنت من الجاحدين لإنعامنا الكافرين بإحساننا قال ابن عباس: من الكافرين لنعمتي إذ لم يكن فرعون يعلم ما الكفر ﴿ قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين ﴾ أي قال موسى: فعلت تلك الفعلة وأنا من المخطئين لأنني لم أتعمد قتله ولكن أردت تأديبه، ولم يقصد عليه السلام الضلال عن الهدى لأنه معصوم منذ الصغر وقال ابن عباس: ﴿ وأنا من الضالين ﴾ أي الجاهلين ﴿ ففررت منكم لما خفتكم ﴾ أي فهربت إلى أرض مدين حين خفت على نفسي أن تقتلوني وتؤاخذوني بما لا أستحقه ﴿ فوهب لي ربي حكما ﴾ أي فأعطاني الله النبوة والحكمة ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ أي واختارني رسولا إليك، فإن آمنت سلمت، وإن جحدت هلكت ﴿ وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ﴾ أي كيف تمن علي بإحسانك إلي وقد استعبدت قومي؟ فما تعده نعمة ما هو إلا نقمة قال ابن كثير: المعنى ما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ وقال الطبري: أي أتمن علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدا؟ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ أي قال فرعون متعاليا متكبرا: من هو هذا الذي تزعم أنه رب العالمين؟ هل هناك إله غيري؟ لأنه كان يجحد الصانع ويقول لقومه
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38] ﴿ قال رب السموت والأرض وما بينهمآ ﴾ أي قال موسى: هو خالق السماوات والأرض، والمتصرف فيهما بالإحياء والإعدام، وهو الذي خلق الأشياء كلها من بحار وقفار، وجبال وأشجار، ونبات وثمار، وغير ذلك من المخلوقات البديعة ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة، فهذا أمر ظاهر جلي ﴿ قال لمن حوله ألا تستمعون ﴾ أي قال فرعون لمن حوله من أشراف قومه على سبيل التهكم والاستهزاء: ألا تسمعون جوابه وتعجبون من أمره؟ أسأله عن حقيقة الله فيجيبني عن صفاته، فأجاب موسى وزاد في البيان والحجة ﴿ قال ربكم ورب آبآئكم الأولين ﴾ أي هو خالقكم وخالق آبائكم الذين كانوا قبلكم، فوجودكم دليل على وجود القادر الحكيم، عدل عن التعريف العام إلى التعريف الخاص لأن دليل الأنفس أقرب من دليل الآفاق، وأوضح عند التأمل