تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها

فتك السهام بلا قوس ولا وتر

﴿ ويحفظوا فروجهم ﴾ أي يصونوا فروجهم عن الزنى وعن الإبداء والكشف ﴿ ذلك أزكى لهم ﴾ أي ذلك الغض والحفظ أطهر للقلوب، وأتقى للدين، وأحفظ من الوقوع في الفجور ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ أي هو تعالى رقيب عليهم، مطلع على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، فعليهم أن يتقوا الله في السر والعلن قال الإمام الفخر: فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؟ قلنا: لأن النظر بريد الزنى، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يحترس منه ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ أي وقل أيضا للمؤمنات يكففن أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، ويحفظن فروجهن عن الزنى وعن كشف العورات، قال المفسرون: أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج، وزادهن في التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فقال ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ أي ولا يكشفن زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها بدون قصد ولا نية سيئة قال ابن كثير: أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، كما قال ابن مسعود: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب، وقيل: المراد به الوجه والكفان فإنهما ليسا بعورة قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ أي وليلقين الخمار وهو غطاء الرأس على صدورهن لئلا يبدو شيء من النحر والصدر، وفي لفظ الضرب مبالغة في الصيانة والتستر، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها قال المفسرون: كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة - تمر بين الرجال مكشوفة الصدر، بادية النحر، حاسرة الذراعين، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب شعرها لتغري الرجال، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى صدورهن مكشوفة عارية، فأمرت المؤمنات بأن يلقينها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أي ولا يظهرن زينتهن الخفية التي حرم الله كشفها إلا لأزواجهن ﴿ أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن ﴾ أي أو لآبائهن أو آباء أزواجهن وهو العم أبو الزوج فإنهما من المحارم، فإن الأب يصون عرض ابنته، ووالد الزوج يحفظ على ابنه ما يسوءه، ثم عدد بقية المحارم فقال ﴿ أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن ﴾ فذكر تعالى الأبناء، وأبناء الأزواج، والإخوة، وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات وكلهم من المحارم الذين يحرم الزواج بهم لما جبل الله في الطباع من النفرة من مماسة القريبات ونكاحهن ﴿ أو نسآئهن ﴾ أي المسلمات وخرج بذلك النساء الكافرات قال مجاهد: المراد نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس يحل للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وقال ابن عباس: هن المسلمات ولا تبدي زينتها أمام يهودية أو نصرانية ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ أي من الإماء المشركات قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها ﴿ أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ﴾ أي الخدام غير أولي الميل والشهوة والحاجة إلى النساء كالبله والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئا قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء ولا يهمه إلا بطنه ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء ﴾ أي الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا حد الشهوة، ولا يعرفون أمور الجماع لصغرهم فلا حرج أن تظهر المرأة زينتها أمامهم ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ أي ولا يضربن بأرجلهن الأرض لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض قال ابن عباس: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع صوت خلخالها، فنهى الله تعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى ربكم بامتثال الطاعات، والكف عن الشهوات، لتنالوا رضاه وتفوزوا بسعادة الدارين ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من الرجال والنساء من أحرار رجالكم ونسائكم قال الطبري: الأيامي جمع أيم، يوصف به الذكر والأنثى يقال: رجل أيم وامرأة أيمة إذا لم يكن لها زوج ﴿ والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾ أي وأنكحوا كذلك أهل التقى والصلاح من عبيدكم وجواريكم قال البيضاوي: وتخصيص الصالحين لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم، وفيه إشارة إلى مكانة التقى والصلاح في الإنسان ﴿ إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله ﴾ أي إن يكن هؤلاء الذين تزوجونهم أهل فاقة وفقر فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، ففي فضل الله ما يغنيهم ﴿ والله واسع عليم ﴾ أي واسع الفضل، جواد كريم، يعطي الرزق من يشاء وهو عليم بمصالح العباد قال القرطبي: وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلبا لرضى الله، واعتصاما من معاصيه وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح وتلا هذه الآية وفي الحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٤٩