شاعر نتربص به ريب المنون
[الطور: 30] فأعلم تعالى بأن الأنبياء قبله ماتوا وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك ﴿ كل نفس ذآئقة الموت ﴾ أي كل مخلوق إلى الفناء ولا يدوم إلا الحي القيوم ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ أي ونختبركم بالمصائب والنعم لنرى الشاكر من الكافر، والصابر من القانط قال ابن عباس: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال وقال ابن زيد: نختبركم بما تحبون لنرى كيف شكركم، وبما تكرهون لنرى كيف صبركم!! ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أي وإلينا مرجعكم فنجازيكم بأعمالكم ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ﴾ أي إذا رآك كفار قريش كأبي جهل وأشياعه ما يتخذونك إلا مهزوءا به يقولون ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ استفهام فيه إنكار وتعجيب أي هذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم؟ ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ أي وهم كافرون بالله ومع ذلك يستهزئون برسول الله قال القرطبي: كان المشركون يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن، وهذا غاية الجهل ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ أي ركب الإنسان على العجلة فخلق عجولا يستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلوا ذلك ولهذا قال ﴿ سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ﴾ أي سأوريكم انتقامي واقتداري على من عصاني فلا تتعجلوا الأمر قبل أوانه ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ أي ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي يعدنا به محمد إن كنتم يا معشر المؤمنين صادقين فيما أخبرتمونا به قال تعالى ﴿ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ﴾ أي لو عرف الكافرون فظاعة العذاب حين لا يستطيعون دفع العذاب عن وجوههم وظهورهم لأنه محيط بهم من جميع جهاتهم لما استعجلوا الوعيد قال في البحر: وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف لأنه أبلغ في الوعيد وأهيب وقدره الزمخشري بقوله: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه عندهم ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ أي لا ناصر لهم من عذاب الله ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ أي بل تأتيهم الساعة فجأة فتدهشهم وتحيرهم ﴿ فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ﴾ أي فلا يقدرون على صرفها عنهم ولا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك ﴾ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء المشركين أي والله لقد استهزئ برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير من قبلك يا محمد ﴿ فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ أي فنزل وحل بالساخرين من الرسل العذاب الذي كانوا يستهزئون به قال أبو حيان: سلاه تعالى بأن من تقدمه من الرسل وقع من أممهم الاستهزاء بهم، وأن ثمرة استهزائهم جنوها هلاكا وعقابا في الدنيا والآخرة فكذلك حال هؤلاء المستهزئين ﴿ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين من يحفظكم من بأس الرحمن في أوقاتكم؟ ومن يدفع عنكم عذابه وانتقامه إن أراد إنزاله بكم؟ وهو سؤال تقريع وتنبيه كيلا يغتروا بما نالهم من نعم الله ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ أي بل هؤلاء الظالمون معرضون عن كلام الله ومواعظه لا يتفكرون ولا يعتبرون ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ﴾ أي ألهم آلهة تمنعهم من العذاب غيرنا؟ ﴿ لا يستطيعون نصر أنفسهم ﴾ أي لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟ ﴿ ولا هم منا يصحبون ﴾ أي وليست هذه الآلهة تستطيع أن تجير نفسها من عذاب الله لأنها في غاية العجز والضغف قال ابن عباس: يصحبون: يجارون أي لا يجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب لجاره ﴿ بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال عليهم العمر ﴾ أي متعنا هؤلاء المشركين وآباءهم من قبلهم بما رزقناهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة وحسبوا أن ذلك يدوم فاغتروا بذلك ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ﴾ أي أفلا ينظرون فيعتبرون بأننا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بالفتح على النبي وتسليط المسلمين عليها؟ ﴿ أفهم الغالبون ﴾ استفهام بمعنى التقريع والإنكار أي أفهم الغالبون والحالة هذه أم المغلوبون؟ بل هم المغلوبون الأخسرون الأرذلون ﴿ قل إنمآ أنذركم بالوحي ﴾ أي قل لهم يا محمد إنما أخوفكم واحذركم بوحي من الله لا من تلقاء نفسي، فأنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال ﴿ ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون ﴾ أي ولكنكم أيها المشركون لشدة جهلكم وعنادكم كالصم الذين لا يسمعون الكلام والإنذار فلا يتعظون ولا ينزجرون ﴿ ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ﴾ أي ولئن أصابهم شيء خفيف مما أنذروا به من عذاب الله ولو كان يسيرا ﴿ ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين ﴾ أي ليعترفن بجريمتهم ويقولون: يا هلاكنا لقد كنا ظالمين لأنفسنا بتكذيبنا رسل الله ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ أي ونقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال في يوم القيامة ﴿ فلا تظلم نفس شيئا ﴾ أي فلا ينقص محسن من إحسانه، ولا يزاد مسيء على إساءته ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أي وإن كان العمل الذي عملته زنة حبة من خردل جئا بها وأحضرناها قال أبو السعود: أي وإن كان في غاية القلة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر ﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ أي كفى بربك أن يكون محصيا لأعمال العباد مجازيا عليها قال الخازن: والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشد الخوف منه ﴿ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين ﴾ أي ولقد أعطينا موسى وهارون التوراة الفارقة بين الحق والباطل والهدى والضلال نورا وضياء وتذكيرا للمؤمنين المتقين ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ أي هم الذين يخافون الله ولم يروه لأنهم عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم ربا عظيما قادرا يجازي على الأعمال فهم يخشونه وإن لم يروه ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ أي وهم من أهوال القيامة وشدائدها خائفون وجلون ﴿ وهذا ذكر مبارك أنزلناه ﴾ أي وهذا القرآن العظيم كتاب عظيم الشأن فيه ذكر لمن تذكر، وعظة لمن اتعظ، كثير الخير أنزلناه عليكم بلغتكم ﴿ أفأنتم له منكرون ﴾ أي أفأنتم يا معشر العرب منكرون له وهو في غاية الجلاء والظهور؟ قال الكرخي: الاستفهام للتوبيخ والخطاب لأهل مكة فإنهم من أهل اللسان يدركون مزايا الكلام ولطائفه، ويفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيرهم مع أن فيه شرفهم وصيتهم فلو أنكره غيرهم لكان لهم مناصبته وعداؤه.