تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.41-76

المناسبة: لما ذكر تعالى نعمته على موسى باستجابة دعائه وإعطائه سؤله، ذكر هنا ما خصه به من الاصطفاء والاجتباء، وأمره بالذهاب إلى فرعون مع أخيه هارون لتبليغه دعوة الله، ثم ذكر ما دار من الحوار بين موسى وفرعون وما كان من أمر السحرة وسجودهم لله رب العالمين.

اللغة: ﴿ اصطنعتك ﴾ اصطفيتك واخترتك، وأصل الاصطناع: اتخاذ الصنيعة وهو الخير تسديه إلى إنسان ﴿ تنيا ﴾ الونى: الضعف والفتور قال العجاج:

فما ونى محمد مذ أن غفر

له الإله ما مضى وما غبر

﴿ يفرط ﴾ يتعجل ويبادر إلى عقوبتنا، ومنه الفارط الذي يتقدم القوم إلى الماء ﴿ يسحتكم ﴾ يستأصلكم ويبيدكم وأصله استقصاء الحلق للشعر قال الفرزدق:

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

من المال إلا مسحت أو مجلف

ثم استعمل في الإهلاك والإذهاب، والسحت: المال الحرام لأنه يهلك الإنسان ويدمره ﴿ النجوى ﴾ التناجي وهو الإسرار بالكلام ﴿ أوجس ﴾ أضمر واستشعر الخوف في نفسه.

التفسير: ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ أي اخترتك لرسالتي ووحيي ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ أي اذهب مع هارون بحججي وبراهيني ومعجزاتي قال المفسرون: المراد بالآيات هنا اليد والعصا التي أيد الله بها موسى ﴿ ولا تنيا في ذكري ﴾ أي لا تفترا وتقصرا في ذكر الله وتسبيحه قال ابن كثير: والمراد ألا يفترا عن ذكر الله بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له ﴿ اذهبآ إلى فرعون إنه طغى ﴾ أي تجبر وتكبر وبلغ النهاية في العتو والطغيان ﴿ فقولا له قولا لينا ﴾ أي قولا لفرعون قولا لطيفا رفيقا ﴿ لعله يتذكر أو يخشى ﴾ أي لعله يتذكر عظمة الله أو يخاف عقابه فيرتدع عن طغيانه ﴿ قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى ﴾ أي قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف إن دعوناه إلى الإيمان أن يعجل علينا العقوبة، أو يجاوز الحد في الإساءة إلينا ﴿ قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى ﴾ أي لا تخافا من سطوته إنني معكما بالنصرة والعون أسمع جوابه لكما، وأرى ما يفعل بكما ﴿ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ﴾ أي إنا رسولان من عند ربك أرسلنا إليك، وتخصيص الذكر بلفظ ﴿ ربك ﴾ لإعلامه أنه مربوب وعبد مملوك لله إذ كان يدعي الربوبية ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ﴾ أي أطلق سراح بين إسرائيل ولا تعذبهم بتكليفهم بالأعمال الشاقة ﴿ قد جئناك بآية من ربك ﴾ أي قد جئناك بمعجزة تدل على صدقنا ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ أي والسلامة من عذاب الله لمن اهتدى وآمن بالله قال المفسرون: لم يقصد به التحية لأنه ليس بابتداء الخطاب وإنما قصد به السلام من عذاب الله وسخطه ﴿ إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ أي قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا أن العذاب الأليم على من كذب أنبياء الله وأعرض عن الإيمان ﴿ قال فمن ربكما يموسى ﴾ أي قال فرعون: ومن هذا الرب الذي تدعوني إليه يا موسى؟ فإني لا أعرفه؟ ولم يقل: من ربي لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إلى موسى وهارون ﴿ من ربكما ﴾ ﴿ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ أي ربنا هو الذي أبدع كل شيء خلقه ثم هداه لمنافعه ومصالحه، وهذا جواب في غاية البلاغة والبيان لاختصاره ودلالته على جميع الموجودات بأسرها، فقد أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك اليد والرجل والأنف واللسان قال الزمخشري: ولله در هذا الجواب ما أخصره وأجمعه وأبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف ﴿ قال فما بال القرون الأولى ﴾ أي ما حال من هلك من القرون الماضية؟ لم لم يبعثوا ولم يحاسبوا إن كان ما تقول حقا؟ قال ابن كثير: لما أخبر موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى كأنه يقول: ما بالهم إذ كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟ ﴿ قال علمها عند ربي في كتاب ﴾ أي قال موسى: علم أحوالها وأعمالها عند ربي مسطر في اللوح المحفوظ ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ أي لا يخطئ ربي ولا يغيب عن علمه شيء منها.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٠٣