فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى
[آل عمران: 39] ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ أي لم يسم أحد قبله بيحيى فهو اسم فذ غير مسبوق سماه تعالى به ولم يترك تسميته لوالديه وقال مجاهد: ليس له شبيه في الفضل والكمال ﴿ قال رب أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف يكون لي غلام؟ وهو استفهام تعجب وسرور بالأمر العجيب ﴿ وكانت امرأتي عاقرا ﴾ أي والحال أن أمرأتي كبيرة السن لم تلد في شبابها فكيف وهي الآن عجوز!! ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ أي بلغت في الكبر والشيخوخة نهاية العمر قال المفسرون: كان قد بلغ مائة وعشرين سنة، وامرأته ثمان وتسعين سنة، فأراد أن يطمئن ويعرف الوسيلة التي يرزقه بها هذا الغلام ﴿ قال كذلك قال ربك هو علي هين ﴾ أي قال الله لزكريا: هكذا الأمر أخلقه من شيخين كبيرين، وخلقه وإيجاده سهل يسير علي ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ﴾ أي كما خلقتك من العدم ولم تك شيئا مذكورا فأنا قادر على خلق يحيى منكما قال المفسرون: ليس في الخلق هين وصعب على الله، فوسيلة الخلق للصغير والكبير، والجليل والحقير واحدة ﴿ كن فيكون ﴾ وإنما هو أهون في اعتبار الناس، فإن القادر على الخلق من العدم قادر على الخلق من شيخين هرمين ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ أي اجعل لي علامة تدل على حمل امرأتي ﴿ قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ﴾ أي علامتك ألا تستطيع تكليم الناس ثلاثة أيام بلياليهن وأنت سوي الخلق ليس بك خرس ولا علة قال ابن عباس: اعتقل لسانه من غير مرض وقال ابن زيد: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا وهو مع ذلك يسبح ويقرأ التوراة لم يكن الإنجيل ظهر بعد لأن هذا قبل ولادة عيسى عليه السلام فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ أي أشرف عليهم من المصلى وهو بتلك الصفة ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ﴾ أي أشار إلى قومه بأن سبحوا الله في أوائل النهار وأواخره، وكان كلامه مع الناس بالإشارة لقوله تعالى في آل عمران
قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا
[آل عمران: 41] ﴿ ييحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ في الكلام حذف والتقدير فلما ولد يحيى وكبر وبلغ السن الذي يؤمر فيه قال الله له: يا يحيى خذ التوراة بجد واجتهاد ﴿ وآتيناه الحكم صبيا ﴾ أي أعطيناه الحكمة ورجاحة العقل منذ الصغر، روي أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب فقال لهم: ما للعب خلقت، وقيل: أعطي النبوة منذ الصغر والأول أظهر قال الطبري: المعنى أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه سن الرجال ﴿ وحنانا من لدنا وزكاة ﴾ أي فعلنا ذلك رحمة منا بأبويه وعطفا عليه وتزكية له من الخصال الذميمة ﴿ وكان تقيا ﴾ أي عبدا صالحا متقيا لله، لم يهم بمعصية قط قال ابن عباس: طاهرا لم يعمل بذنب ﴿ وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا ﴾ أي جعلناه بارا بأبيه وأمه محسنا إليهما ولم يكن متكبرا عاصيا لربه ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ﴾ أي سلام عليه من الله من حين مولده إلى حين مبعثه، في يوم ولادته وفي يوم موته ويوم يبعث من قبره قال ابن عطية: حياه في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف، والحاجة، والافتقار إلى الله ﴿ واذكر في الكتاب مريم ﴾ هذه هي القصة الثانية في هذه السورة وهي أعجب من قصة " ميلاد يحيى " لأنها ولادة عذراء من غير بعل، وهي أغرب من ولادة عاقر من بعلها الكبير في السن والمعنى اذكر يا محمد قصة مريم العجيبة الغريبة الدالة على كمال قدرة الله ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ﴾ أي حين تنحت واعتزلت أهلها في مكان شرقي بيت المقدس لتتفرغ لعبادة الله ﴿ فاتخذت من دونهم حجابا ﴾ أي جعلت بينها وبين قومها سترا وحاجزا ﴿ فأرسلنآ إليهآ روحنا ﴾ أي أرسلنا إليها جبريل عليه السلام ﴿ فتمثل لها بشرا سويا ﴾ أي تصور لها في صورة البشر التام الخلقة قال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد الشعر مستوى الخلقة قال المفسرون: إنما تمثل لها في صورة الإنسان لتسأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على السماع لكلامه، ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة في الحسن ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ﴾ أي فلما رأته فزعت وخشيت أن يكون إنما أرادها بسوء فقالت: إني أحتمي وألتجئ إلى الله منك، وجواب الشرط محذوف تقديره إن كنت تقيا فاتركني ولا تؤذني ﴿ قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ﴾ أي قال لها جبريل مزيلا لما حصل عندها من الخوف: ما أنا إلا ملك مرسل من عند الله إليك ليهب لك غلاما طاهرا من الذنوب ﴿ قالت أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف يكون لي غلام؟ وعلى أي صفة يوجد هذا الغلام مني؟ ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ أي ولست بذات زوج حتى يأتيني ولد ولست بزانية ﴿ قال كذلك قال ربك هو علي هين ﴾ أي كذلك الأمر حكم ربك بمجيء الغلام منك وإن لم يكن لك زوج، فإن ذلك على الله سهل يسير ﴿ ولنجعله آية للناس ورحمة منا ﴾ أي وليكون مجيئه دلالة للناس على قدرتنا العجيبة ورحمة لهم ببعثته نبيا يهتدون بإرشاده ﴿ وكان أمرا مقضيا ﴾ أي وكان وجوده أمرا مفروغا منه لا يتغير ولا يتبدل لأنه في سابق علم الله الأزلي ﴿ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ﴾ انتهى الحوار بين الروح الأمين ومريم العذراء قال المفسرون: إن جبريل نفخ في جيب درعها فدخلت النفخة في جوفها فحملت به وتنحت إلى مكان بعيد ومعنى الآية أنها حملت بالجنين فاعتزلت - وهو في بطنها - مكانا بعيدا عن أهلها خشية أن يعيروها بالولادة من غير زوج ﴿ فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة ﴾ أي فألجأها ألم الطلق وشدة الولادة إلى ساق نخلة يابسة لتعتمد عليه عند الولادة ﴿ قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ﴾ أي قالت يا ليتني كنت قد مت قبل هذا اليوم وكنت شيئا تافها لا يعرف ولا يذكر قال ابن كثير: عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود فتمنت الموت لأنها عرفت أن الناس لا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عاهرة زانية ولذلك قالت ما قالت ﴿ فناداها من تحتهآ ألا تحزني ﴾ أي فناداها الملك من تحت النخلة قائلا لها: لا تحزني لهذا الأمر ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ أي جعل لك جدولا صغيرا يجري أمامك قال ابن عباس: ضرب جبريل برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولا ﴿ وهزى إليك بجذع النخلة ﴾ أي حركي جذع النخلة اليابسة ﴿ تساقط عليك رطبا جنيا ﴾ أي يتساقط عليك الرطب الشهي الطري قال المفسرون: أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع بعد رؤيتها عين الماء العذب الذي جرى جدولا، وذلك ليسكن ألمها وتعلم أن ذلك كرامة من الله لها ﴿ فكلي واشربي ﴾ أي كلي من هذا الرطب الشهي، واشربي من هذا الماء العذب السلسبيل ﴿ وقري عينا ﴾ أي طيبي نفسا بهذا المولود ولا تحزني ﴿ فإما ترين من البشر أحدا ﴾ أي فإن رأيت أحدا من الناس وسألك عن شأن المولود ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوما ﴾ أي نذرت السكوت والصمت لله تعالى ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ أي لن أكلم أحدا من الناس.