10.79-82
ذكر تعالى قصة السحرة مع موسى عليه السلام، وما أراده فرعون من معارضة الحق المبين، ﴿ وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون ﴾ ، وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل
قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]، فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم،
فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى
[طه: 67-68]، فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: ﴿ ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ﴾.
10.83
يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات، والحجج القاطعات، والبراهين الساطعات، إلا قليل من قوم فرعون من الذرية، وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون لعنه الله كان جبارا عنيدا مسرفا في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة يخاف رعيته منه خوفا شديدا. قال ابن عباس: الذرية التي آمنت لموسى من غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير " منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه " ، وعنه: ﴿ فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه ﴾ يقول: من بني إسرائيل، وقال مجاهد في قوله: ﴿ إلا ذرية من قومه ﴾ هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم، واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل، لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين، وفي هذا نظر، لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب، وأنهم من بني إسرائيل، والمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبه المتقدمة، وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه، ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى،
قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا
[الأعراف: 129] وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم مسى وهم بنو إسرائيل ﴿ على خوف من فرعون وملئهم ﴾ أي وأشراف قومهم أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان، ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى: ﴿ وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ﴾.