10.18-19
ينكر تعالى على المشركين الذي عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدا، ولهذا قال تعالى: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموت ولا في الأرض ﴾ قال ابن جرير: معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟ ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ ، ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
[الأنفال: 42]، وقوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ الآية، أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه أجل الخلق إلى أجل معدود، لقضى بينهم فيما اختلفوا فيه، فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين.
10.20
أي ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون: لولا أنزل على محمد آية من ربه، يعنون: كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهبا، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا، أو نحو ذلك، مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله، كما قال تعالى:
تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا
[الفرقان: 10]، وكقوله:
وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون
[الإسراء: 59] الآية، يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة، ولهذا لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إعطائهم ما سألوا فإن آمنوا وإلا عذبوا، وبين أنظارهم، اختار إنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى الجواب عما سألوا: ﴿ فقل إنما الغيب لله ﴾ أي الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور، ﴿ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ أي إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم، ولو علم منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبتا لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا فتركهم فيما رابهم، وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد لما فيهم من المكابرة كقوله تعالى:
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء
[الحجر: 14] الآية، وقوله تعالى:
وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا
[الطور: 44] الآية، وقوله تعالى:
ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين
[الأنعام: 7] فمثل هؤلاء لا فائدة من جوابهم لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم، ولهذا قال: ﴿ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾.