وقَالَ أَبُو زرعة الرازي رحمه الله (ت: 264): الجُمعة والجهاد عندنا مع البر والفاجر ممن يتولى ذلك من الولاة. طبقات الحنابلة (2/60)
ب- مداراتُهم, والرفقُ واللينُ في التعامل معهم
قِيلَ لِأُسَامَةَ بن زيدٍ رضي الله عنه (ت: 59): أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ بن عفان رضي الله عنه فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا[٥٤] أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ.[٥٥]
[٥٤] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أَيْ كَلَّمْته فِيمَا أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ ، لَكِنْ عَلَى سَبِيل الْمَصْلَحَة وَالْأَدَب فِي السِّرّ, بِغَيْرِ أَنْ يَكُون فِي كَلَامِي مَا يُثِير فِتْنَة أَوْ نَحْوهَا.
[٥٥] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: يَعْنِي لَا أُكَلِّمهُ إِلَّا مَعَ مُرَاعَاة الْمَصْلَحَة بِكَلَامٍ لَا يَهِيج بِهِ فِتْنَة. والَّذِي يَظْهَر أَنَّ أُسَامَة كَانَ يَخْشَى عَلَى مَنْ وُلِّيَ وِلَايَة وَلَوْ صَغُرَتْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْمُر الرَّعِيَّة بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر, ثُمَّ لَا يَأْمَن مِنْ أَنْ يَقَع مِنْهُ تَقْصِير ، فَكَانَ أُسَامَة يَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَمَّر عَلَى أَحَد ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " لَا أَقُول لِلْأَمِيرِ إِنَّهُ خَيْر النَّاس " أَيْ بَلْ غَايَته أَنْ يَنْجُوَ كَفَافًا. وَقَالَ القاضي عِيَاض رحمه الله: مُرَاد أُسَامَة أَنَّهُ لَا يَفْتَح بَاب الْمُجَاهَرَة بِالنَّكِيرِ عَلَى الْإِمَام لِمَا يَخْشَى مِنْ عَاقِبَة ذَلِكَ ، بَلْ يَتَلَطَّف بِهِ وَيَنْصَحهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجْدَر بِالْقَبُولِ . وَقَوْله " لَا أَقُول لِأَحَدٍ يَكُون عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْر النَّاس " فِيهِ ذَمّ مُدَاهَنَة الْأُمَرَاء فِي الْحَقّ وَإِظْهَار مَا يُبْطِن خِلَافه كَالْمُتَمَلِّقِ بِالْبَاطِلِ ، فَأَشَارَ أُسَامَة إِلَى الْمُدَارَاة الْمَحْمُودَة وَالْمُدَاهَنَة الْمَذْمُومَة ، وَضَابِط الْمُدَارَاة أَنْ لَا يَكُون فِيهَا قَدْح فِي الدِّين ، وَالْمُدَاهَنَة الْمَذْمُومَة أَنْ يَكُون فِيهَا تَزْيِين الْقَبِيح وَتَصْوِيب الْبَاطِل وَنَحْو ذَلِكَ. فتح الباري 13/65-67
وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ: أَنْتَ خَيْرٌ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ، فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الحِمَارِ بِرَحَاهُ[٥٦]، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ[٥٧] فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ، أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ أَفْعَلُهُ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ ". صحيح البخاري (3267) ، صحيح مسلم (2989).
_________
[٥٦] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة سُفْيَان وَأَبِي مُعَاوِيَة: " فَتَنْدَلِق أَقْتَابه فَيَدُور كَمَا يَدُور الْحِمَار " وَالْأَقْتَاب جَمْع قِتْب بِكَسْرِ الْقَاف هِيَ الْأَمْعَاء ، وَانْدِلَاقهَا خُرُوجهَا بِسُرْعَةٍ.
[٥٧] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أَيْ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ ، يُقَال أَطَافَ بِهِ الْقَوْم إِذَا حَلَّقُوا حَوْلَهُ حَلْقَة وَإِنْ لَمْ يَدُورُوا ، وَطَافُوا إِذَا دَارُوا حَوْلَهُ.
وعن ابن عُمر رضي الله عنه (ت: 73) قال: دخلتُ على حفصةَ فقلتُ: قد كانَ من الناس ما تَرَين، ولم يُجعل لي من الأمر شيءٌ، قالت: فالحق بهم فإنهم ينتظرونك، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقةٌ، فلم يَرعه حتى ذهب.
فلما تفرَّق الناس، خطب معاويةُ، فقال: من كان يُريد أن يتكلَّم في هذا الأمر، فليُطلعْ إليَّ قرنه، فنحنُ أحقُّ بذلك منه ومن أبيه[٥٨].
_________
[٥٨] في مصنف عبد الرزاق: يُعرِّضُ بابنِ عُمر.
قال حبيبُ بنُ مسلمة: فهَلاَّ أجبته فِداكَ أبي وأمي؟ فقال ابنُ عمر: حلَلْتُ حبوتي، فهممتُ أن أقول: أحقُّ بذلك منك من قاتَلكَ وأباكَ على الإسلام فخشيتُ أن أقولَ كلمة تُفرِّق الجمع، ويُسْفَكُ فيها الدَّمُ، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجنان. صحيح البخاري: (3882)