ل- موقف السلف في باب التكفير , والتبديع , والتفْسِيق
قيل لأَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ الأَسَدِيِّ-رَحِمَهُ اللهُ-(ت: 82): يَا أَبَا وَائِلٍ أَيُّ شَيْءٍ تَشْهَدُ عَلَى الْحَجَّاجِ ؟ تَشْهَدُ أنَّهُ في النَّارِ؟ فقال: «سبحان الله! أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَحْكُمَ عَلَى اللَّهِ!». الطبقات لابن سعد (8/ 219).
وقَالَ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-(ت: 748) كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ تيمِيَّة-رَحِمَهُ اللهُ-(ت: 728) فِي أَوَاخِرِ أَيَّامه يَقُوْلُ: أَنَا لاَ أَكفِّر أَحَداً مِنَ الأُمَّة، وَيَقُوْلُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ يُحَافِظُ عَلى الْوضُوء إِلاَّ مُؤْمِنٌ"([٤٢])، فَمَنْ لاَزَمَ الصَّلَوَاتِ بوضوءٍ فَهُوَ مُسْلِم».[٤٣] تهذيب السِّيَر 3/1174
وقال أيضاً رحمه الله: «وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ- مَعَ صِحَّةِ إِيْمَانِهِ، وَتَوَخِّيْهِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ- أَهْدَرْنَاهُ، وَبَدَّعنَاهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ». تهذيب السِّيَر 3/1162
م- موقف السلف من الصحابة, وبيان منزلتهم ومكانتهم
قَالَ ابْنُ عُمَرَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-(ت: 73): «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ». فضائل الصحابة للإمام أحمد (15), وحسنه الألباني.
[٤٢] أخرجه: ابن ماجة في: "سننه": (277، 278، 279)، مِن حديث ثَوْبَانَ، و عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وأَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنهم-، والحديث: صححه الشيخ العلامة المحدث الألباني-رحمه الله-وغيره.
[٤٣] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيِ الرجل الذي قال : إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في الْيَم , فوالله لئن قدِرَ الله عليَّ ليعذبني عذاباً لاَ يعذبه أحداً من العالمين . فقال الله له : ما حملك على ما فعلت؟ قال : خشيتك , فغفر له. فهذا الرجل اعتَقَدَ أنَّ الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك , أو شك , وأنَّه لا يبعثه . وكل من هذين الاعتقادين كُفْرٌ يكفُر من قامت عليه الحجّة , لكنه كان يجهل ذلك , ولم يبلغه العلم بما يردّه عن جهله , وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده , فخاف من عقابه , فغفر الله له بخشيته . فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد , من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح , لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل , فيغفر الله خطأه , أو يعذّبه إن كان منه تفريط في اتِّبَاع الحقّ على قدر دينه . وأمَّا تكفير شخص عُلِم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم . فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحَّاك , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لعن المؤمن كقتله , ومن رمَى مؤمناً بالكفر فهو كقتله). وثبت في الصحيح :( أنَّ من قال لأخيه : يا كافر , فقد باء به أحدهما) . وإذا كان تكفير المعيّن على سبيل الشتم كقتله , فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد ؟ فإنَّ ذلك أعظم من قتله ؛ إذْ كل كافر يُباح قتله , وليس كل من أبيح قتله يكون كافراً , فقد يُقتل الدَّاعي إلى بدعة ؛ لإضلاله الناس وإفساده , مع إمكان أنَّ الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان , فإنَّه قد تواترت النصوص بأنّه يخرج من النار مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان. الاستقامة / 135-136