ورحم الله القائل: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وقد بذل أبو عبيد قصارى جهده في تأليف كتابه ومراجعته، ومع ذلك فقد وجهت إليه اعتراضات وانتقادات، والناس في ذلك ما بين متحامل عليه، وما بين منصف له.
وقد تقدم قريبا أن إسحاق بن إبراهيم ذكر أن أبا عبيد صحف في كتابه المصنف نيفا وعشرين حرفا وتقدم رد أبي عبيد.
وذكر أبو أحمد العسكري أن أبا الحسن الطوسي راوية كتب أبي عبيد قال: صحف أبو عبيد في عشرة أحرف من كتابه.
أقول: وهذا شيء قليل بالنسبة إلى حجم كتابه.
وذكر ابن النديم عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي أبو عبيد: عرضت كتابي في الغريب المصنف على أبيك؟ قلت: نعم، وقال لي: فيه تصحيف مائتي حرف، فقال أبو عبيد: كتاب مثل هذا يكون فيه تصحيف مائتي حرف قليل.
ومن المعترضين المنصفين أبو سعيد محمد بن هبيرة الأسدي الكوفي، المعروف بصعودا، المتوفى سنة 295 ه. ألف رسالة للأمير عبد الله بن المعتز اسمها: (ما أنكرته العرب على أبي عبيد القاسم بن سلام ووافقته فيه) وهو كتاب مختصر. ولم نعثر عليه.
ومنهم أبو سعيد الضرير، أحمد بن أبي خالد، استقدمه طاهر بن عبد الله من بغداد إلى خراسان، صنف كتابا في الرد على أبي عبيد في الغريب المصنف.
وله كتاب آخر في الرد على أبي عبيد في غريب الحديث، عرضه على عبد الله بن عبد الغفار وكان أحد الأدباء، فكأنه لم يرضه، فقال لأبي سعيد. ناولني يدك، فناوله، فوضع الشيخ في كفه متاعه، وقال: اكتحل بهذا يا أبا سعيد حتما تبصر، فكأنك لا تبصر.