ثم هناك عامل آخر كان له أثره الفعال في تثبيت هذه المرويات الكاذبة أيام الأصفهاني، يتمثل لا ندرة النسخ المخطوطة من مراجعها الأصلية، بحيث لايصل إلى احتيازها سوى المتحكمين في مصاير المجتمعات من الأمراء وحواشيهم من المترفين ومدمني اللهو، الذين لا يهمهم من مثل كتاب الأصفهاني ما ينطوي عليه من الحقائق الموضوعية، بل كل ما يتطلعون إليه هو الحصول على ما يعوز أسمارهم من الطرائف التي تخفف عنهم أعباء العمل الجاد وتطلق ضحكاتهم المدوية. فهؤلاء وحدهم القادرون على شرائها بمئات الدنانير.. فهم محتكروها فلا يكاد يصل خبرها إلى أوساط العلماء، الذين على جهودهم تتوقف سلامة المجتمعات الإسلامية من التلوث.. ولولا أن يسر الله لبعض الهداة من حفظة التاريخ الإسلامي وممحصي الروايات سبيل الاطلاع على بعض الأجزاء من ذلك الكتاب المسمم ففضحوا مؤامراته وكشفوا الستور عن مفترياته، كالخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد في الأولين، ووليد الأعظمي في المتأخرين، لظل محجوبا مقصورا على حلقات العابثين والماجنين..
من هنا تسلل قرن الشيطان: