وإذ كان من سنن الله في النفوس أن تنتهي الضجة المفتعلة إلى مستقرها الطبيعي، فقد فقدت تلك الدفعة الدعائية زخمها أخيرا، أتيح لكل ذي وعي من القراء أن يعيد النظر في ما يطالعه من مضامين الأغاني، فإذا هو تلقاء أكداس من المعلومات التي تبعث الحيرة في نفسه فلا يكاد يهتدي إلى الحكم الصحيح بشأنها، إذ يرى فيها من الحقائق الموضوعية الموثقة ما يطمئن إليه القلب والعقل، ثم لا يلبث أن يفاجأ بأضدادها من الأخبار التي تتنافى مع العقول السليمة والمشاعر النبيلة.
ولقد بدأت الشكوك تساورني في صلاحية الكتاب، وكان باعثها في نفسي تناقضها العميق ينم جلال ما نعرفه من تراثنا السلفي، الذي وقفنا عليه عن طريق الثقات من أئمة العلم والفقه والتاريخ قدامى ومحدثين، ومصادمة الكثير من مروياته للثابت نقلا وعقلا من صفحات ذلك التراث، وجعلت هذه الشكوك تتسع في نفسي كلما أوغلت في مطالعة تلك المرويات..
ولقد فاتحت بهذه الشكوك بعض الاخوة من كبار الأساتذة والمتخصصين في التاريخ وفي الأدب والعربية، فكانوا يقابلون انطباعاتي بالدفاع عن الكتاب وعن مؤلفه بالاتكاء على طه حسين وأشياعه، وبخاصة كتاب الأستاذ شفيق جبري في التوكيد على مصداقية الأصفهاني اغترارا بمسلكه في عنعنة الأسانيد، واعتماده غير قليل من أسماء كبار المحدثين والموثقين خلالها.