تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمذنب معروف لم عوقب؟، فأما غير المذنب فذلك::

- إما لأنه ساكت، فقد ذكر تعالى نجاة الناهين عن المنكر في قصة أصحاب السبت، ولم يذكر نجاة الساكتين.

- أو راض بالمنكر، فهو أولى، وقد قال تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم﴾.

- أو مغلوب على أمره، فهذا جاء فيه أن أمة تغزو الكعبة، وفيهم من المكره، فيخسف الله بهم الأرض جميعا، ثم يبعثون على نياتهم، عن صفية - وفي رواية أم سلمة - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت، حتى يغزو جيش حتى إذا كانوا بالبيداء - أو بيداء من الأرض - خسف بأولهم وآخرهم ولم ينج أوسطهم. قلت: فإن كان فيهم من يكره؟!، قال: يبعثهم الله على ما فى أنفسهم ). رواه ابن ماجة

وقد دلت النصوص على نجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من عموم العقوبة في قوله تعالى:

- ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ..﴾.

لكن هذا في عذاب الاستئصال، وهو عذاب قد انتهى من الأرض. صورته ما حصل لقوم: نوح، وعاد، وثمود، ومدين، ولوط، وأصحاب السبت: صيحة، أو ريح فيها عذاب أليم، أو طوفان مغرق، أو حجارة من السماء، أو نار تقذف من السحاب. فيهلك الجميع، فلا يبقى أحد: ﴿فأصبحوا لايرى إلا مساكنهم﴾، إلا المنكرون: ( أنجينا الذين ينهون عن السوء..}.

وهذا النوع من العذاب انتهى ببعثة موسى عليه السلام، قال تعالى:

- ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ﴾.

لأنه لم يكن جهاد، ومع موسى شرع الجهاد، وتوقف عذاب الاستئصال، الذي لا يبقي أحدا إلا الناهين عن المنكر، وصار بدلا عنه عذاب التذكير والتحذير، وفي هذا العذاب لا يأمن الناهون عن المنكر أن يصيبهم ما يصيب الظالمين: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.

وقد أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومن معه، ما أصاب المخالفين أمره، وتعرضوا للقتل، وفي عام الرمادة عم البلاء الجميع، حتى عمر رضي الله عنه وسائر الكبار.

* * *

ليس لإنسان أن يبطل الذكرى والعظة بالعقوبات العامة، بدعوى أنها تصيب الكافر. فهذا في أحسن أحواله جاهل بسنة الله تعالى الشرعية والكونية؛ أي أمره وخلقه.. إن لم يكن من الزائغين، الذين قال تعالى فيهم:

- ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾.

- ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾.

فهذا الإعصار "جونو" الذي ضرب سواحل جزيرة العرب، لا شك أنه بسبب المعاصي، وما أصاب وما يصيب الناس اليوم من جدب وقحط، وضيق في الرزق وفقر، وضيق في النفس، وبرودة في العلاقات.. كل هذه وغيرها عقوبات تحذير، لما الناس عليه من جرأة في المحرمات، والاستعلان بها.. من ربا، ومعاملات محرمة، وعري وفساد عريض، واتخاذ الكافرين أولياء..

فهل كان الله تعالى تاركنا ننعم بنعمه، ونحن نروح ونغدو في سخطه ؟!.

=============

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٨٠