ما مدى كفاءة نظام الفائدة كأساس للاقتصاد ؟ إنه من حيث إن المعروف أن الاقتصاد القوي السليم يجب أن يتوافر له من ضمن ما يتوافر شروط أربعة ، هي :
( أ ) القدرة على التخصيص الأمثل للموارد .
( ب ) المناخ الاستثماري الإيجابي الذي يشجع على الادخار والتكوين الرأسمالي .
( جـ ) الاستقرار .
( د ) قابلية النمو الاقتصادي ، فقد أوضح الكتاب أن نظام الفائدة الربوي عاجز عن توفير هذه الشروط وذلك على النحو التالي :
أ - فمن ناحية التخصيص الأجدى للموارد ، يلاحظ أن للفائدة وظيفة رئيسية مفترضة هي أنها وسيلة لتخصيص الأموال النادرة المقدمة من المدخرين إلى المستثمرين بطريقة موضوعية على أساس القدرة على دفع الثمن ، وإذا تغير الطلب على الأموال القابلة للإقراض أو تغير عرضها تم عند معدل فائدة مختلف التوصل إلى توازن جديد ، إن هذه المقولة مبنية على افتراض أن المعدل النقدي للفائدة يعتبر أداة ناجحة لتخصيص الموارد بطريقة مثالية . ولكن هذا الافتراض غير صحيح إذ يوجد في الواقع دليل مقنع على العكس ، وقد تجمعت لدى إنزلو وكونراد وجونسن أدلة تثبت أن رأس المال الحالي قد أسيء تخصيصه - ربما إلى حد خطير - بين قطاعات الاقتصاد . إن افتراض باريتو في تخصيص
الموارد لا يوجد إلا في عالم الأحلام عالم نموج التوازن التنافسي الكامل .
إن معدل الفائدة التوازني لا يوجد إلا في الكتب المدرسية فقط ، أما في الواقع فلا يوجد معدل مقاصة سوقية فعالة ، بل هناك مزج نظري من معدلات قصيرة الأجل وطويلة الأجل مع فروق واختلافات هائلة في مستوياتها ولا يوجد مفهوم واضح لكيفية توحيد هذه المعدلات المتعددة في معيار واحد ، إن معدل الفائدة في الحقيقة والواقع تعبير عن المفاضلة لا لصالح المقترض الأجدى إنتاجا بل لصالح الأكثر غنى ؛ لأن المعيار في الواقع هو الجدارة الائتمانية فكلما كانت الجدارة الائتمانية لشخص أكبر كان معدل الفائدة الذي يدفعه أقل ، والعكس بالعكس ، وبذلك تحصل المنشأة الكبيرة ( بغض النظر عن مدى حاجتها للتمويل ومدى درجتها في الجدوى الإنتاجية ) تحصل على أموال أكثر بسعر فائدة أقل وذلك فقط بسبب ارتفاع درجة تصنيفها الائتماني ، بمعنى آخر فإن المنشأة الكبيرة التي هي أقدر على تحمل عبء الفائدة تحمل عبئا أقل ، وعلى العكس فإن المنشأة المتوسطة أو الصغيرة التي قد تكون ذات إنتاجية أعظم بمقياس المساهمة في الناتج الوطني تحصل على مبالغ أقل بكثير نسبيا وبأسعار فائدة أعلى بكثير ، وهذا يعني أن الكثير من الاستثمارات الأجدى إنتاجية بالقوة لا توجد بالفعل بسبب عدم قدرتها التنافسية في الحصول على القروض التي تنساب إلى مشاريع أقل جدوى إنتاجية ، ولكنها متقدمة في سلم التصنيف الائتماني .
وبهذا يتضح أن معيار الفائدة ليس معيارا موضوعيا للجدوى الإنتاجية للمنشأة ، وإنما معيار متحيز من معايير التصنيف الائتماني ، وهذا هو أحد الأسباب في النظام الرأسمالي للنمو السرطاني للمنشآت الكبيرة واختناق المنشآت المتوسطة والصغيرة ، ويقع هذا بصفة خاصة في حالة ارتفاع معدل الفائدة ، إن زيادة تدفق الائتمان إلى الأغنياء - في النظام الربوي صار حقيقة معترفا بها على نطاق واسع . يقول جالبريت على سبيل المثال : " إن المنشأة الكبيرة عندما تقترض تحظى بصفة العميل المفضل لدى المصارف وشركات التأمين " ويقول :
" إن أولئك الأقل حاجة إلى الاقتراض هم المفضلون ، وأولئك الأكثر حاجة إلى الاقتراض هم الأقل حظا في نظام المنافسة السوقية " .
ب - وبالنسبة لأثر الفائدة على الادخار والتكوين الرأسمالي ، فيجب أن نلاحظ أولا أنه لخلق مناخ استثماري إيجابي نشط لا بد من المحافظة الدائمة على العدالة والتوازن بين المدخرين والمستثمرين ، ثم نشير إلى أنه بسبب المعدل الاجتماعي للتفضيل الزمني فقد يعتقد بأن للفائدة دائما دورا إيجابيا مطردا على الادخار والتكوين الرأسمالي ، غير أنه بدراسة الواقع فإن الدلائل الإحصائية لا تشير إلى وجود ترابط كبير بين الفائدة والادخار في البلاد الصناعية ، أما في البلدان النامية فإن أغلب الدراسات توضح أنه لا تأثير لمعدل الفائدة على الادخار على الإطلاق ، وحتى من الناحية النظرية فإن عددا من الاقتصاديين يرفض افتراض بوم باورك التفضيل الزمني الإيجابي حتى أن جراف شكك بأن له وجودا فعليا بالمرة ، على أن آراء آخرين تقول بأن التفضيل الزمني لدى المستهلك الرشيد قد يكون موجبا أو صفرا أو سالبا وقد لاحظ ساملسون " أن الأدلة تهدي إلى أن بعض الناس يقل ادخارهم بدلا أن يزيد عند ارتفاع معدل الفائدة ، وأن البعض يزيد ادخارهم في تلك الحالة وأن الكثير لا يتأثر ميلهم للادخار في حالة الارتفاع أو الانخفاض " .