تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السبب الخامس : هو أن الربا زيادة طارئة في الدين تفرض على المدين المحتاج للصدقة وتشترط عليه بعد حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء ، وتلك هي زيادة بعقد جديد مستقل عن العقد الأول ، ولا يقابلها في هذا العقد الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين أي " الإنساء " وهو ربا النسيئة القطعي من غير أي نفع مادي للمدين وهو أكل أموال الناس بالباطل ، ولذا كان هذا ظلما صريحا . . إلخ . جوهر هذا السبب يدور حول فكرة أن ربا الجاهلية المحرم قطعيا كان عبارة عن زيادة طارئة مشترطة على المدين نظير تأجيل استيفاء الدين ، وبالطبع فإن المعاملة المصرفية الحالية ليست هكذا ، فهي زيادة في صلب العقد الأول ، ومن ثم فإنها لا تدخل في الحرمة لهذا الاختلاف . هذه هي أهم فكرة يدور حولها بحث الكاتب كله ، وهي عند التحقيق أوهن من بيت العنكبوت . أما دعواه بأن ربا الجاهلية كان فحسب زيادة طارئة ، فهذا خطأ باعتراف

(1) سورة البقرة الآية 275

المفسرين والمؤرخين وغيرهم من علماء الإسلام ، والكاتب بنفسه قد سجل ذلك مما نقله عن ابن حجر وعن الرازي ، فالصورة الثانية وهي الزيادة الأصلية كانت قائمة وسائدة حتى أن الجصاص في " أحكام القرآن " ذهب إلى أنه لم يكن موجودا سواها .

هذه هي الأسباب الخمسة التي ذهب الكاتب إلى أنها كانت وراء تحريم الربا في القرآن ، وقد رأينا أنها كلها تنهار واحدا تلو الآخر ، ثم إنه ما كان أحرى بالكاتب وهو يتصدى لهذا الموضوع أن يرجع إلى مراجع التفسير والفقه وأصول الفقه والحديث ؛ ليتأكد على الأقل من معنى السبب وعلاقته بالحكم الشرعي .

خلاصة القول هنا أن الكاتب قد انطلق من منطلق خاطئ هو اعتباره الربا هو فقط الزيادة الطارئة بعد حلول أجل الدين ، وأن المدين هو دائما محتاج للصدقة مظلوم مستغل ، وكل ذلك غير صحيح وبفرض صحة بعضه فلا أثر له في الحكم ، وهب أن المدين غني جدا هل يجوز إقراضه بفائدة ؟

انتقل الكاتب بعد ذلك إلى بيان مفهوم الربا في السنة الشريفة ، وجاء كلامه عنها وفيها قاصرا إلى غاية الغاية . ولا أدري تفسيرا لذلك على وجه التحديد ، وهل هو عدم الدراية الكافية بالسنة ؟ أم هو موقف متعمد حيث إن المزيد من الدراسة والبدل يجلب على الكاتب مالا يود الوصول إليه ؟ يبدأ الكاتب بقوله لم يرد تعيين الأموال الربوية في القرآن الكريم ، وإنما ورد تعيينها في السنة . ومبدئيا فإذا كان قد ورد تعيينها في الحديث فما الذي يبقى للكاتب أو لغيره ؟ هل نحذف بعض هذه الأموال ؟ وهل ما لدينا من أموال مغاير لتلك الأموال المعينة في الحديث ؟

يضاف إلى ذلك أن كلامه غير مسلم به على علاته ، فإن الحديث الشريف الذي حدد أموالا معينة قد حددها على ورود ربا البيع فيها كما صرحت بعض روايات الحديث ، ولذا فقد اشتهر على ألسنة الفقهاء أن هناك ربا بيوع وهناك ربا ديون ، وإذا كان ربا البيوع بنوعيه إنما يرد في أموال معينة ، فإن ربا الديون ومنه ربا القروض يرد في كل مال سواء كان من تلك الأموال التي وردت في الحديث أو من غيرها . وفي ذلك يقول ابن رشد : " واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين ؛ في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك " (1) ، وقال ابن حزم : " والربا لا يجوز - أي لا يقع - في البيع والسلم إلا في ستة أشياء فقط . . . وهو في القرض في كل شيء " (2) . وقال الجصاص : " والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به " (3) وقال الرازي : " أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق وفي الأجل " (4) وقال القرطبي : " وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - على أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة " (5) .

__________

(1) بداية المجتهد 2 \ 140 دار الفكر .

(2) المحلى 9 \ 503 مكتبة الجمهورية .

(3) أحكام القرآن 1 \ 464 دار الكتاب العربي .

(4) التفسير الكبير 7 \ 85 دار الكتب العلمية .

(5) الجامع لأحكام القرآن 3 \ 241 دار الكتاب العربي .

أعتقد أنه من الواضح البين أن هناك ربا ديون أو قروض وهناك ربا بيوع ، وأن الأول لا يختص بمال دون مال ، ونحب أن نذكر أخانا الكاتب هنا بتساؤله الذي صدر به بحثه بتعجب وإنكار لم حرمت الفائدة على القرض في نظر الفقهاء ؟ كما أحب أن أذكره بنص عبارة الرازي وعبارة الجصاص حتى يراجع نفسه في ادعائه بأن ربا الجاهلية كان فقط زيادة طارئة ولم يكن هناك تراض بين الطرفين ، وكل ذلك مغاير للمعاملة المصرفية فهي زيادة أصلية ونتجت عن تراض بين الطرفين .

هذا هو كل ما ذكره عن الربا في السنة الشريفة ثم سرعان ما ركز على وجود تيارين متعارضين في أمر الربا حتى في الصدر الإسلامي الأول ، مبينا أنه كان هناك المتشددون فيه وهناك المتلطفون معه ، ثم ينقل كلمة منسوبة إلى سيدنا عمر - رضي الله عنه - دون أن يجري حولها أية دراسة من حيث التوثيق والمضمون ، وما إذا كانت قد وردت فعلا عن سيدنا عمر وأقوال الثقاة من العلماء فيها ، بل إنه لم يشر مجرد إشارة إلى مصادره في ذلك (1) ، وقد سبق أن علقنا على تلك المسألة وغيرها في صدر الورقة . ثم يقول الكاتب : " إن هناك تيارا يتلطف في الربا ويحصره في ربا الجاهلية الذي نزل فيه القرآن ، لكن ما لبث هذا التيار أن جرفه التيار المعارض " ونحب أن نقول للأخ الكاتب إن المسألة لا تدخل في باب العواطف والمشاعر حتى يكون فيها تلطف وقسوة وتشدد بل هي

__________

(1) يقال إن سيدنا عمر قال : إن آخر ما نزل من القرآن آيات الربا '' في البقرة '' وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبض ولم يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة . ولكلام العلماء في هذه المقولة وتضعيفهم لها انظر سنن ابن ماجه جـ 2 ص2276 . وتهذيب التهذيب لابن حجر مادة ( سعيد ) ، والمصنف لعبد الرزاق جـ10 ص 301 ، والسنن الكبرى للبيهقي جـ6 ص 225 . وفي فهم عمر للربا بكافة جوانبه خاصة ربا الفضل وتشدده فيه انظر شرح السنة للبغوي جـ 8 ص 61 ، والمنتقى شرح الموطأ جـ2 ص 636 .

أحكام شرعية وأمانة الالتزام الكامل بها ، كما أنها ليست معركة ولا حربا حتى يجرف تيار تيارا ، إنما هو الإقناع والاقتناع .

ثم انتقل الكاتب بعد ذلك سريعا إلى القول بوجود ثلاثة اتجاهات متدرجة في التضييق من منطقة الربا هي : 1 - أقلها تضييقا لنطاق الربا هو ما ذهب إليه ابن رشد وابن القيم من التفرقة بين الربا الجلي ربا النسيئة والربا الخفي ربا الفضل . وقبل أن نناقش الكاتب في مقولته هذه نناقشه أولا في نسبة هذه المقولة إلى ابن رشد ، وحتى يكون النقاش أكثر فعالية نضع نص عبارة ابن رشد والتي نقلها الكاتب في ورقته . يقول ابن رشد : " واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين : في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك ، فأما الذي تقرر في الذمة فهو صنفان ، صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية ، والثاني ضع وتعجل وهو مختلف فيه " (1) .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٦٩