تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقاط جوهرية يجب التنويه بها : 1- القرآن الكريم والسنة الشريفة كلاهما مصدران أساسيان للتشريع الإسلامي ، وما تحرمه السنة فهو محرم قطعيا ، وتحريمه ليس في الحقيقة قاصرا على السنة بل هو محرم في القرآن وبالقرآن أيضا ، قال تعالى : ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ (2) ،

(1) تجدر الإشارة إلى أن بحث الدكتور إبراهيم الناصر يكاد يكون صورة طبق الأصل من بحث سبق أن تقدم به من قبل الدكتور معروف الدواليبي ، ومن ثم فإن بحثنا هذا هو رد على هذا الاتجاه كله .

(2) سورة النساء الآية 80

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ (1) ، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ (2) ، ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ (3) ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ (4) . إذن كافة ما حرم في القرآن أو في السنة سواء كان بنص صريح جزئي من القرآن أو بنص صريح من السنة هو في الحقيقة محرم فيها معا وبها معا ، ولا فرق بين هذا وذاك ، وليس لهذا درجة تحريم وللثاني درجة أعلى أو أقل .

2 - مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي تبليغ دين الله وشرعه لمن أرسل إليهم من العباد وتبيينه لهم بيانا واضحا كوضوح الشمس في كبد السماء بل أكثر وضوحا . قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ (5) ، ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ (6) ، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ (7) ، ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ (8) ، ﴿ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾ (9) . ومعنى هذا أنه يجب الإذعان والاعتقاد الكامل بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بين للناس كل ما في القرآن من أحكام ومبادئ وكل ما يريده الله تعالى من عباده ، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى وهناك شيء من الإسلام غامض أو غير مبين ، بل تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها . ومن الواضح أن أهمية

__________

(1) سورة النساء الآية 59

(2) سورة آل عمران الآية 31

(3) سورة النجم الآية 3

(4) سورة النجم الآية 4

(5) سورة النور الآية 54

(6) سورة النحل الآية 44

(7) سورة إبراهيم الآية 4

(8) سورة العنكبوت الآية 18

(9) سورة الحجر الآية 89

هذه القاعدة تجعلها أكبر بكثير من أن تعارض ببعض أقوال منسوبة لهذا الصحابي أو لذاك ، وعلينا أن نتحرى جيدا في توثيق ما قد يكون هناك من أقوال منسوبة ، ثم تحديد مضمونها بما لا يتعارض مع تلك القاعدة التي لو اهتزت قيد أنملة لانهار الإسلام من أساسه .

3 - من الحقائق الثابتة ثبوتا لا يقبل الشك أن العرب في الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا ، بل لقد كان إحدى حقائق عصرهم ومعيشتهم واقتصادهم ، وأن صور هذا التعامل الربوي لم تكن واحدة بل كانت متعددة سواء من حيث الشكل والصورة أو من حيث الدوافع والأهداف ، فمن حيث الصورة والشكل وجدت الزيادة على الدين التي تشترط ويتفق عليها عند عقد الدين ، كما وجدت الزيادة التي تحدث عند انتهاء الأجل وعدم المقدرة على السداد ، هذه ثابتة وهذه ثابتة ، ومن يطلع على كتب التفسير والتاريخ وغيرها يعلم ذلك يقينا . وسوف نعرض لذلك في حينه .

ومن حيث الدوافع والأهداف كان هناك الدين بربا لأغراض الاستهلاك ، وكان هناك بكثرة وغالبية الدين بربا لأغراض البيع والتجارة والإنتاج (1) ، ويكفي أن نشير إلى أنه كان مصدرا أساسا من مصادر تمويل رحلتي الشتاء والصيف " تمويل التجارة الخارجية " كما أنه لم يكن قاصرا على ضعف المركز المالي للمدين في مواجهة المركز المالي للدائن بل كثيرا ما كان العكس ، تاجر كبير أو قبيلة كبيرة تتاجر فتحصل على التمويل " الدين بربا " من أفراد عديدة فتذهب لتشتري وتبيع وتسدد الدين برباه .

هذا كله ثابت ثبوتا راسخا بمصادر علمية موثقة .

__________

(1) د . محمد فاروق النبهان '' مفهوم الربا في ظل التطورات المعاصرة '' ص80 .

4 - القرآن الكريم حرم الربا دون أن يخصص ذلك بنوع دون نوع وصورة دون أخرى ، وليس هناك نص قراني أو حتى نبوي أن الربا الذي حرمه القرآن هو فقط ربا الجاهلية .

ومعنى ذلك أنه إذا كانت هناك صورة قائمة عند نزول التحريم أو قبله فإنها تحرم ، فإذا أحدثت صور أخرى للربا فإنها تحرم هي الأخرى بنص القرآن الكريم ، ومعنى ذلك أن كل صور الربا تحرم بالنص حتى ولو لم تظهر إلا بعد آلاف السنين من نزول القرآن ؛ لأن القرآن لم ينزل لعصر دون عصر بل نزل لأمة ممتدة عبر الزمن موغلة في الاستقبال ، ويخاطب به آخر فرد زمنا في أمة الدعوة تماما كما خوطب به أول فرد فيها . وإذن فلا وجه لمن يقول ولو كان القائل فقيها إن الربا المحرم في القرآن هو ربا الجاهلية فقط ، وإلا فسوف يطرد ذلك على كل المحرمات ، زنا الجاهلية ، كذب الجاهلية ، سرقة الجاهلية . . إلخ . يضاف إلى ذلك أنه كما هو معروف فإن آيات الربا في سورة البقرة هي من أواخر آيات النزول . هذه المسلمة لها دلالتها الخطيرة في موضوعنا هذا ، فمن المعروف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال وفعل وأقر الكثير والكثير خلال فترة الدعوة الممتدة ، ومن ذلك ما يتعلق بالربا ، سواء ما كان معروفا لدى الجاهلية أو ما كان يمارس دون أن يعرف بأنه ربا ، وعندما باع صحابي تمرا بتمر بزيادة قال الرسول - صلى الله عليه وسلم : « أوه عين الربا » (1) وكررها . من الواضح أن تلك صورة جديدة لم تكن تدخل في صور الربا المعروفة وإلا ما عملها الصحابي أو أن هذه كانت بداية التشريع في موضوع الربا . وسواء كان هذا أو ذاك فإن قول الرسول عليه الصلاة والسلام : « عين الربا » (2) يفهم منه

__________

(1) صحيح البخاري الوكالة (2188,2188),صحيح مسلم المساقاة (1594,1594),سنن النسائي البيوع (4557),مسند أحمد بن حنبل (3/62).

(2) صحيح البخاري الوكالة (2188),صحيح مسلم المساقاة (1594),سنن النسائي البيوع (4557),مسند أحمد بن حنبل (3/62).

أن جوهر الربا وحقيقته ومعناه واحد والذي يتميز ويختلف هو الصور والأشكال . وهناك احتمالان ، إما أن هذا الحديث وغيره مما يدخل في موضوعنا قد قاله الرسول عليه السلام قبل نزول آيات الربا أو بعده . فإن كانت الآيات قد نزلت سلفا ، فتكون تلك الأحاديث مبينة وشارحة لمضمون الربا الذي ورد في القرآن الكريم ، بالإضافة إلى ما هو معهود أصلا لديهم من صوره التي كانت تمارس في الجاهلية . وإن كانت الآيات قد نزلت لاحقا فمعنى ذلك أن الربا في القرآن الذي ورد ودون تخصيص أو تغيير يشمل كل صور الربا ، سواء منها ما كان معروفا في الجاهلية أو ما بينته السنة الشريفة ، وكذلك كل صورة تجد له إلى قيام الساعة حيث بقاء الأمة والدعوة .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٦٧