تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو فرض تعارفهم فهو عرف فاسد لمخالفته نصوص الربا العامة والمطلقة ، وكل عرف في مقابل النص فهو عرف فاسد لا يبنى عليه حكم ، وكذلك التدليل بأن هذا النوع من المعاملة قد دعت إليه حاجة الناس أجمعين تعليل غير سليم ؛ لأن الواقع الفعلي أن حاجة الناس جميعا لا تدعو إلى هذه المعاملة ، بل إن هذه المعاملة المصرفية تشكل حرجا للناس في معاملاتهما وتضعف اقتصاد الأمم والشعوب كما قرر ذلك أساطين الاقتصاد في العالم . وكثير من الناس - والحمد لله - يزاولون نشاطهم التجاري بدون أي حاجة إلى هذا النوع من المعاملة ، وقول ابن قدامة وابن تيمية وارد في المصالح التي سكت الشارع عليها ، فلم يرد باعتبارها أو إلغائها نص من الشارع ، كما صرحوا بذلك في كثير من المواضع وصرح به الأصوليون في كلامهم على حجية المصالح المرسلة .

وقول الكاتب إن الدائنين في المعاملات المصرفية هم من صغار المالكين لم يستغلوا المدينين الذين هم جميعهم هنا من كبار المالكين ، بل قد تبادلوا المنافع معهم بصورة تجارية وعقد رضائي من غير أن يكون هناك ظالم أو مظلوم : قول غير صحيح لأن جل المنفعة يستأثر بها المدينون الذين هم من كبار الأغنياء ، وليس للدائنين وهم صغار المالكين إلا نسبة ضئيلة محدودة وقعت الاستدانة من المصرف على أساسها ، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك فيما سبق .

د ) ويرى الكاتب أن الخاصة الرابعة للربا القرآني تجعل صاحب الدين المرابي عند عجز المدين عن أداء الدين كالذي يتخبطه الشيطان من المس إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة ؛ لأنه فقد رأس ماله فوق فقده لأرباحه الربوية . وهذه الخاصة ليست متحققة في المعاملة المصرفية لأن المتعاملين فيها من معط وآخذ جميعهم يشعرون بالأمان والاطمئنان وذلك لقيام

إدارة المصرف نيابة عنهم باتخاذ جميع الإجراءات والضمانات اللازمة لسلامة المعاملة على السواء لمصلحة الدائن والمدين .

والرد على ما ذكره الكاتب في هذه الخاصة : أن التصوير المقترح لمن يأكل الربا ليس تصويرا له عند عجز المدين عن الوفا أو عند تخوفه من عدم الوفاء ، وإنما هو تصوير له عند قيامه من قبره كما تظافرت بذلك أقوال المفسرين وعلى رأسهم ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد ، ويؤيد ذلك التفسير قراءة ابن مسعود ( لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس ) . وإذا لم يكن هذا تصوير للدائن في الدنيا فإنه لا يصلح أن يكون خاصة له ، لأن خاصة الشيء تكون لازمة للشيء ، والشيء الذي لا يتحقق إلا في الآخرة لا يكون ملازما له في الدنيا لانفكاك الجهة على أن هذا التصوير البشع جزاء المرابي في الآخرة ، أي أنه مترف بأكل الربا . وأثر الشيء لا يكون جزءا من حقيقته ولا وصفا له ولا ملازما له ملازمة عقلية لحصول الأثر عقب المؤثر ، فانتفى أن يكون هذا الوصف خاصة للربا القرآني .

على أن كلام الكاتب يقصر التصوير على آكل الربا الذي عجز المدين فيه عن الوفاء أو تخوف الدائن من عدم الوفاء مع أن التصوير القرآني يشمل أيضا من سلم له رأس المال والربح ، بل إن التصوير قاصر على من سلم له رأس المال والربح بدليل التعبير بيأكلون ، ولا يوصف بذلك إلا من سلم له رأس المال والربح ، وإذن فكيف يكون هذا التصوير خاصا بالدائن الذي عجز مدينه عن الوفاء . ثم يدلل الكاتب على انتفاء هذه الخاصة في المعاملة المصرفية بأنه لا يوجد فيها خوف من العجز عن الوفاء لقيام المصرف باتخاذ الإجراءات التي تمنع هذا الخوف . . . إلخ .

ما قاله من الأمن والسلامة في المعاملة المصرفية . نقول ردا على هذا : إن الأمن غير متحقق أيضا في المعاملة المصرفية رغم قيام المصرف بالمراقبة والإشراف ، وذلك لحصول الإفلاس من المدين في كثير من الأحيان والواقع الفعلي يؤيد هذا كما ظهر أخيرا من معاملات المدينين مع مصارف القاهرة ؛ حيث هربوا عن البلاد وضاع على المصارف ما دفعته إليهم ، وكما حدث في سوق المناخ بالكويت ، وإذن فالأمن منعدم في عملية المصرف كما هو منعدم في عملية المرابي .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٦٤