تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القول الثالث : أن العلة في الأربعة المذكورة كونها مكيلة , جنس فيتعدى الحكم فيها إلى كل مكيل ولو كان غير طعام كالجص والنورة والأشنان ، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه (4) وأبي حنيفة (5) واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا , وما كيل فمثل ذلك , فإذا اختلف النوعان فلا بأس به » وغيره من الأحاديث التي ورد فيها لفظ ( مثلا بمثل ) فإنه يدل على الضبط بالكيل والوزن , قال العلامة الشنقيطي (6) : وهذا القول أظهر دليلا . ا ه .

(1) المنتقى مع شرحه ص205 ج 5 ..

(2) أضواء البيان ص249 ، 250 ج 1 .

(3) صحيح مسلم المساقاة (1592),مسند أحمد بن حنبل (6/401).

(4) إعلام الموقعين ص136 ج 2 .

(5) بدائع الصنائع ص183 ج 5 .

(6) أضواء البيان 251 ج 2 .

فعلى هذا لا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات , فتباع بيضة وخيارة وبطيخة ورمانة بمثلها (1) .

القول الرابع : وهو قول الشافعي في القديم (2) أن العلة فيها هي الطعمية مع الكيل أو الوزن , فالعلة فيها كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين , فعلى هذا لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه مما لا يكال ولا يوزن (3) ولا فيما يكال أو يوزن لكنه غير مطعوم كالزعفران والأشنان والحديد والرصاص ونحوها , وهذا قول سعيد بن المسيب وهو أيضا رواية عن أحمد (4) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال : (5) [ والعلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم وهو رواية عن أحمد رحمه الله ] . ا ه .

هذا حاصل آراء المذاهب الأربعة في علة الربا في الأصناف المنصوصة , وهناك آراء أخرى في هذه المسألة ذكرها العلامة الشنقيطي في تفسيره ، والإمام ابن حزم في المحلى فليراجعها من شاء .

وكنتيجة لما سبق من خلاف في تحديد العلة كل على مذهبه فيها نختم بالجملة التالية :

يقول الإمام النووي - رحمه الله - في شرحه على صحيح مسلم ( 11 \ 9 ): وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا ومؤجلا , وذلك كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل , وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل , وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالا كالذهب بالذهب , وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير .

وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير , ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا إلا ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - عن ابن عباس في تخصيص الربا بالنسيئة . ا ه .

__________

(1) المبدع ص129 ج 4 .

(2) مغني المحتاج ص22ج 2 .

(3) شرح النووي على صحيح مسلم ص9ج 11 .

(4) ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ص470 ج 29 ، وإعلام الموقعين ص137 ج 2 ، ج 9 .

(5) الاختيارات ص 127 , وانظر مجموع الفتاوى الوضع السابق .

7 - تحريم الوسائل والحيل الربوية :

الربا حرام بالكتاب والسنة والإجماع , وكل وسيلة إلى الحرام فهي حرام , لكن قد أخبر صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته ستستحل الربا باسم البيع فقال : « يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع » ، والربا لم يحرم لمجرد لفظه بحيث إذا غير هذا اللفظ تغير حكمه وانتقل من التحريم إلى الإباحة , وإنما حرم لحقيقته ومعناه , وهذه الحقيقة موجودة رغم الحيل والمراوغات , وقد قال صلى الله عليه وسلم : « لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » , والتحيل لا يرفع المفسدة التي حرم الربا من أجلها بل يزيدها قوة وتأكيدا , قال العلامة ابن القيم (1) : وذلك من وجوه عديدة :

منها : أنه يقدم على مطالبة المحتاج بقوة لا يقدم بمثلها المرابي الصريح ؛ لأنه واثق بصورة العقد واسمه .

ومنها : اعتقاده أن ذلك تجارة مدارة حاضرة والنفوس أرغب شيء في التجارة ، ومن الذرائع التي حرمها الشارع لإفضائها إلى الربا :

1 - أنه نهى عن بيع الربوي بالربوي عن طريق الخرص والتخمين في تقديرهما أو تقدير أحدهما خشية من وقوع ربا الفضل , وقد ترجم لذلك العلماء بقولهم : الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل , ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره

(2) بسنده عن جابر قال : لما نزلت ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾

(3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله »

(4) , ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي خيثم وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض , والمزابنة وهي اشتراء الرطب في رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض , والمحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض , إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا ؛ لأنه لا

__________

(1) إغاثة اللهفان 1 \ 367 .

(2) ص327 ج 1 .

(3) سورة البقرة الآية 275

(4) سنن أبو داود البيوع (3406).

يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف , ولهذا قال الفقهاء : الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة , ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه , وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم إلى أن قال : والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله ؛ لأن ما أفضى إلى الحرام حرام , كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . انتهى كلام ابن كثير .

وقد عد المزارعة من وسائل الربا وهذا على قول من يحرمها , والمسألة خلافية كما هو موضح في كتب الفقه وشروح الحديث فليرجع إليها .

2 - نهى الشارع عن بيع العينة قال صلى الله عليه وسلم : « إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع , وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم » , وبيع العينة : أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها ممن باعها منه بثمن حال أقل مما باعها به - سميت عينة لحصول النقد - لأن المشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ليصل به إلى مقصوده (1) ، فالقصد التفاضل في الدراهم وإنما جعلت السلعة وسيلة إلى ذلك .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع » (2) يعني العينة ؛ فإن مستحلها يسميها بيعا , وفي هذا الحديث بيان أنها ربا لا بيع , فإن المسلم لا يستحل الربا الصريح وإنما قد يستحله باسم البيع وصورته .

والتعامل ببيع العينة إنما يقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر بالقرض إلا أن يربح في المائة ما أحب , فيبيعه المائة بضعفها بواسطة سلعة يعانها ، وكان الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل دين فيأتيه عند حلول الأجل فيقول له : إما أن تقضي وإما أن تربي , فإن قضاه وإلا زاد المدين في المال وزاد الغريم في الأجل , فيكون قد باع المال بأكثر منه إلى أجل , فأمرهم الله إذا تابوا أن لا يطالبوا إلا برأس المال , وأهل الحيل يقصدون ما يقصده أهل الجاهلية لكنهم يخادعون الله , ولهم طرق منها بيع العينة .

__________

(1) نفس المصدر باختصار .

(2) صحيح البخاري البيوع (1954),سنن النسائي البيوع (4454),مسند أحمد بن حنبل (2/435),سنن الدارمي البيوع (2536).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٤٧