تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اشتراط التماثل , ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة سواء كان البيع حالا أو مؤجلا ما لم يقصد كونها ثمنا ] , ومعنى قوله : [ ما لم يقصد كونها ثمنا ] أي لم يقصد الثمنية في الحلي وإنما قصد كونه حليا يلبس كالثياب .

وقد أفاض العلامة ابن القيم في هذا الموضوع حيث قال (1) : " وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة " , والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه ، فلم يبق إلا أن يقال : لا يجوز بيعها بجنسها ألبتة بل يبيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة , فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك , والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب , وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر , والحيل باطلة في الشرع , وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب , وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه , فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع , فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت مصالح الناس .

والنصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في المنع , وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي , إلى أن قال : " يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان ، ولهذا لم تجب فيها الزكاة فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان , كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها , فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها , ولا يدخلها (إما أن تقضي وإما أن تربي ) إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل " , ومضى العلامة ابن القيم يبرر هذا الرأي حتى استغرق قرابة ست صفحات .

هذا حاصل رأي الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم في بيع الحلي من الذهب أو الفضة بجنسه مع زيادة -والمذهب أن ذلك لا يجوز - قال في الإقناع وشرحه (2) : فلا

(1) إعلام الموقعين 2 \ 140 - 141 .

(2) كشاف القناع عن متن الإقناع 3 \ 206 .

يجوز بيع مصنوع من الموزونات لم تخرجه الصناعة عن الوزن بجنسه إلا بمثله وزنا سواء ماثله في الصناعة أو لا ؛ لعموم الحديث , وجوز الشيخ بيع مصنوع مباح الاستعمال كخاتم ونحوه بيع بجنسه بقيمته حالا جعلا للزائد عن وزن الخاتم في مقابلة الصنعة فهو كالأجرة , وكذا جوزه (أي بيع خاتم بجنسه بقيمته نساء ) ما لم يقصد كونها ثمنا فإن قصد ذلك لم يجز النسأ . ا ه .

6 - الأشياء التي يجري فيها الربا :

هناك أشياء مجمع (1) على جريان الربا فيها وهي الأصناف الستة : الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح , وما عدا هذه الأصناف فقد اختلف في جريان الربا فيه , ومنشأ هذا الخلاف يرجع إلى أنه هل يقاس على هذه الأصناف غيرها مما شاركها في العلة أو لا ؟ أو بعبارة أخرى : هل تحريم الربا في هذه الأشياء لمعنى فيها فيقاس عليها غيرها مما شاركها في هذا المعنى أو لأعيانها , وإذا كان لمعنى فيها فهل عرف ذلك المعنى .

أولا - إليك أقوالهم في ذلك :

القول الأول : أن تحريم الربا محصور في هذه الأشياء الستة لا يتجاوزها إلى غيرها , ويروى هذا القول عن قتادة وهو قول أهل الظاهر (2) وقال به أيضا طاوس وعثمان البتي وأبو سليمان (3) , قال ابن حزم بعد (4) أن ساق بعض الأدلة على تحريم الربا والوعيد عليه : فإذا أحل الله البيع وحرم الربا فواجب طلب معرفته ليتجنب , وقال تعالى : ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ (5) فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسوله عليه السلام من الربا أو من الحرام فهو ربا وحرام , وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال ؛ لأنه لو جاز أن يكون في الشريعة شيء حرمه الله تعالى ثم لم يفصله لنا ولا بينه رسوله عليه السلام لكان تعالى كاذبا في قوله : ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ (6) وهذا كفر صريح ممن قال به , ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصيا لربه تعالى ؛ إذ أمره بالبيان فلم يبين فهذا كفر متيقن ممن أجازه . ا ه

__________

(1) المبدع ص128 ج 4 ، إعلام الموقعين ص136ج 2 .

(2) المبدع ص128 ج 4 ، إعلام الموقعين ص136ج 2 .

(3) المحلى ج 9 ص504 .

(4) المحلى ج 9 ص504 .

(5) سورة الأنعام الآية 119

(6) سورة الأنعام الآية 119

وهو كلام فيه قسوة وشدة كما هي عادة ابن حزم رحمه الله .

وممن اختار هذا القول الإمام الصنعاني حيث يقول في سبل السلام شرح بلوغ المرام (1) ما نصه : " ولكن لما لم يجدوا - أي الجمهور - علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها , وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها : (القول المجتبى ) . ا ه , واختاره من الحنابلة ابن عقيل (2) في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس , قال : لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة , وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس

القول الثاني : وهو قول جمهور العلماء أن الربا يتجاوز هذه الأصناف الستة إلى غيرها مما شاركها في العلة , قال الشوكاني في الدراري البهية (3) : (ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس حديث ابن عمر في الصحيحين قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بثمر كيلا , وإن كان كرما أن يبيعه بكيل طعام ، نهى عن ذلك كله » (4) , وفي لفظ لمسلم : عن كل ثمر يخرصه , فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب , ورواية مسلم تدل على أعم من ذلك , ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب : « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان » , وأخرجه أيضا الشافعي , وأبو داود في المراسيل , ووصله الدارقطني في الغرائب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد , وحكم بضعفه وصوب الرواية المرسلة , وتبعه ابن عبد البر , وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار إلى أن قال : وله شاهد أقوى منه في رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة ، ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عند الترمذي في رخصة العرايا وفيه : عن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمر يخرصه .

ولما اتفقوا على أنه يلحق بالأصناف المنصوصة ما شاركها في العلة ولم تكن تلك العلة منصوصة اختلفوا فيها على الأقوال التالية :

__________

(1) صفحة 8 ج 3 ط الاستقامة عام 1369ه .

(2) المبدع ص128 ج 4 ، وإعلام الموقعين ص136 ج 2 .

(3) ص105 .

(4) صحيح البخاري البيوع (2091),صحيح مسلم البيوع (1542),سنن النسائي البيوع (4549),سنن ابن ماجه التجارات (2265).

1 - علة الربا في النقدين :

اختلفوا في ذلك على قولين :

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٤٤