تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحظر أكل ربا الدين على المسلم من غير المسلمين بالخارج لا يرجع فيما نرى إلى أن الإسلام ينهى عن التعصب ، يقول تعالى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ (1) ( سورة المائدة ، 9 ) ولا إلى ما فرضه الإسلام من أداء الأمانات إلى أهلها ولو كانوا غير مسلمين ، ونعيه على اليهود ما استحصلوا من بخس الأميين حقوقهم . ولكنا نجد ، مما قدمنا من خصائص الربا وحكمه ، أن ربا الدين لا يتعلق بالعدل بين طرفي المداينة ولا بأداء الدين ذاته ، بل يبتغي الرشد المالي والاجتماعي والسياسي للفرد دائنا كان أو مدينا ، ويرقى بالأمة إلى خير تنظيم في تلك المجالات المتكاملة كلها ، ويكون التعامل بربا الدين في ذاته من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة والعدوان على رشدها ومالها ، ويتعين على المسلم ألا يقرب الربا ، لا إيتاء ولا أخذا ، ولو من حربي في خارج بلاد الإسلام ليحفظ على المسلم رشده ويحفظ أمته ما تستحقه من تنمية بأمواله .

(1) سورة المائدة الآية 8

من نتائج اختلاف الربوين الإسلامي واليهودي

أما وقد تبين الاختلاف بين أحكام الربا التي شرعها الإسلام اختلافا كبيرا عن أحكام الربا عند اليهود الذين يرون الربا في كل دين مؤجل من قرض أو بيع تكون زيادة فيه بسبب التأجيل ، بينما جاء الإسلام بأحكام للربا كثيرة تنظم البيوع الحاضرة ، مما لا عهد لليهود به ، وفي ربا الديون الذي يعرفون أهله ، قصر التحريم على شطر مما عندهم ، هو ربا القرض ، وأحل شطرا مما يحرمون ، فأباح عوض التأجيل في البيوع ، وأحكم توثيق الائتمان سواء التجاري وغير التجاري ، وكفل للأفراد في أموال الأغنياء من أهليهم وفي خزانة الدولة نفقاتهم التي تسد حاجات معيشتهم وعزز موارد الائتمان غير التجاري من الزكاة والصدقات ، بما ييسر نفاذ تحريم الربا فيه . فإن من شأن من يحيط علما بكل أولئك أن يشهد بنتائج شتى من أهمها: أولا: أن ما تضمنته الشريعة الإسلامية من نسخ بعض ما يعلمه اليهود وتفصيل ما لم ينسخ وإكماله بوجه لا يسعه فقههم- يدحض كل تشكيك في وحي الإسلام ، ويفند كل زعم بأخذه شيئا من اليهود ، ويقطع بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويظهر ما أتى به من الأحكام على ما اقتضت حكمة الله تعالى نسخه من فروع شريعة اليهود .

ثانيا: وجوب دراسة الأحكام الإسلامية الاقتصادية في مصادرها الأولى بالقرآن والسنة دراسة مستقلة متعمقة تحصى فيها أحكام الإسلام على حقيقتها المتميزة ، ثم يأتي من بعد الإحاطة بها دور البحث المقارن بينها وبين سائر الشرائع ، فيفقه الدارسون الفروق بين أحكامها وما في غيرها ، ولا يقعون في خلط يجره التجوز في إطلاق مصطلحات لا يعرفها فقه الشريعة ولا تصدق على مسمياتها ، ولا يبلغ بها الباحث الغاية من تفهم دقائق أحكامها .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٣٦