لا تنحصر حكمة تحريم الربا في درء الظلم عن المدين من الفقراء ، ولا نجد في نصوص القرآن والسنة ما يشير إلى أن الربا إنما يؤخذ من المقترض الفقير استغلالا لحاجته ، وإذا كانت آيات الربا قد جاءت بعد آيات الصدقات ، فقد تلتها مباشرة آيات الدين المؤجل الذي يقع في التجارة نسيئة وسلما ، كما يقع في القرض ، وقد نصت آيات الربا ذاتها في رد رءوس الأموال على مدين معسر فرضت نظرته إلى ميسرة ، فافترضت مدينا آخر موسرا يجب عليه أداء رأس المال ناجزا ، وفي قوله تعالى لأكل الربا :" ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ﴾ (1) يحتمل أن يكون المعنى لا تظلمون أنفسكم بمعصية أكل الربا ، ولا تظلمون بنقص من رءوس أموالكم . وقد جرى أسلوب الذكر الحكيم في آيات كثيرة على اعتبار عصيان التكليف ظلما لنفس من عصى ، ومن ذلك قوله جل ثناؤه : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (2) ( سورة البقرة ، الآية 54 ) وقوله عز شأنه : ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ (3) ( سورة الطلاق ، الآية 1 ) ، ولا يتعين ما ذهب إليه المفسرون والفقهاء الذين قالوا : إن المرابين يظلمون المدين بأخذ الربا منه ، وجعلوا الحكمة في تحريم الربا هي ما فيه من ظلم المدين (4) .
إذ لا يتفق ذلك وحقيقة الربا في الإسلام باعتبار مداينته معصية مشتركة بين طرفيها من دائن ومدين لا يرجع حظرها إلى منع استغلال المدين ، لأن لتعرض منفعته التي يصيبها المدين ، وإنما فرض الشرع التصدق بها عليه لحاجته . وإذا كان المستقرض محتاجا لا يبتغي استثمارا ، وإنما يأخذ القرض لنفقته ، فإن عليه أن يلجأ إلى الطرق المشروعة لسد خلته ، بالرجوع على من تلزمه نفقته من الأقربين أو من بيت المال أو يتحرى صالح الأغنياء ، ليصيب قرضا حسنا ، فإن أعوزه كل أولئك وسعه باب التجارة الآجلة ، يشتري حاجته بالنسيئة أو يبيع ما ينتظر رزقه سلما ، وقد صح في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى شعيرا لطعام أهله بالنسيئة من يهودي . ارتهنه درعه ضمانا للثمن » (5) . وظاهر من محل البيع ، وهو أبسط غذاء رئيسي ، عظم الحاجة إلى شرائه ، وقصد النبي صلى الله عليه وسلم في الاستدانة حتى لضرورات المعيشة . وفي ذلك ما يغني ذا الحاجة عن الاستدانة بالربا التي حظر الله تعالى ، فإن جاوز إليها كان ظالما لنفسه ، مثله كمثل من ادان منه ، وليس مظلوما يتقاضاه الدائن الربا بغير نفع يعود عليه من القرض ، فإن الشريعة لا تجاوز الواقع من الأمر ، ولا تهدر منافع النقود حين تقترض ولا يعتبر المال في يد المقترض عقيما . فالقرض في الإسلام من عقود الإرفاق ، بما يذر للمقترض من منفعة القرض تبرعا ، ويظل المال طيلة قرضه تستحق عليه الزكاة ، واستحقاقها بفرض نمائه . ويتضح الأمر إن
(1) سورة البقرة الآية 279
(2) سورة البقرة الآية 54
(3) سورة الطلاق الآية 1
(4) إعلام الموقعين، لابن القيم ،ج2 ص99و100.
(5) صحيح البخاري البيوع (1990),صحيح مسلم المساقاة (1603),سنن النسائي البيوع (4650),سنن ابن ماجه الأحكام (2436),مسند أحمد بن حنبل (6/42).
كان المدين غير فقير ، وإنما يبتغي فضلا من استثمار القرض ، فيما يحسن من التجارة أو نحوها من النشاط الاقتصادي ، إذ لا يبدو في خشية استغلال الدائن له ، ما يصلح حكمة لتحريم الربا ، فكما تحتمل الخسارة في الاستثمار ، حتى لا يجد المدين ما يؤدي منه الربا ، يحتمل أن يكسب أضعاف الربا ، حتى يتحيف ما كان يستحقه رب المال لو كان ما بينهما عقد مضاربة بدلا من المداينة الربوية ، والإسلام لا يجعل احتمال الخسارة ، بل ولا تحقق الغبن أو الاستغلال- موجبا لتحريم المعاوضات ، إذ جعل للأفراد سلطانا في تحديد الائتمان ينفذ مع الغبن إن كان يسيرا ، ولا يذر الغبن الفاحش إلا خيارا للمغبون لا يحظر معه بقاء الغبن . كما لا يتفق وحظر يمين التصرف الربوي القول بأن الدائن ، إذ يأكل الربا إثمه أعظم من إثم مؤكله ، باعتبار تحريم أكل الربا لذاته ، أما المقترض فيرتكب محرما لغيره ، وإذ لا يباح المحرم لذاته إلا للضرورة ، ولا توجد ضرورة مطلقا تبيح أكل الربا ، أما المحرم لغيره فيباح للحاجة ، فمن كان في حاجة ماسة للاقتراض بالفائدة ، لأنه لا يجد من يقرضه إلا بالفائدة ، قيل : إن الله تعالى يرفع عنه الإثم ، ويبوء بالإثمين من لم يقرضه إلا بفائدة (1) . وكأن هذا القول يعتبر أصل الحظر في الربا متعلقا بأكله من المقترضين ، وبنحو ذلك قريبا مما عند اليهود ، ولكن ربا الدين في الإسلام يشبه الزنى ، فيستوي في حظره عمل كل من طرفيه ، إذ لا تبرم عقدته إلا بالتقاء هذين العملين ، إيتاء المدين يقابله أخذ الدائن ، ولا ترخص لدائن أو مدين في أخذ الربا أو إيتائه إلا في حال الضرورة (2) .
فلا يباح لمكلف أن يقترض بالربا لمجرد الحاجة الماسة التي لا تبلغ حد الضرورة ، وتتصور الضرورة في أكل الربا إن أطبقت أمة على أكله وأوصدت على المكلف وجوه الاستثمار المباحة لرأس ماله .
وتكون ثم حكم شتى لحظر الربا ، لا تقتصر على من يأكله ، بل تتعلق أيضا بمن يعطيه ، وبمن يعين عليه ، وبالأمة جميعا من ورائهم ، في مجالات النشاط الاقتصادي والسلام الاجتماعي والسياسة المالية للدولة .
فكما يقصد تحريم الربا إلى كف أشحة الأغنياء عن أن يرهقوا الفقراء والمعسرين الذين تضطرهم حالهم إلى تأجيل قروضهم أو ديونهم ، بعدم التصدق عليهم بفيئها ويشعرهم بكل تفريط في رعاية أحكام الزكاة ، التي تكفل للفقير والمسكين ما يغنيه عن الاستقراض ، وتتيح للمعسر الغارم أن يأخذ ما يفي بدينه ولا يضطر إلى طلب تأجيله- كذلك يتوجه التحريم إلى مترفي الأغنياء ، ليتجافوا عن الدعة ، وينأوا عن الفراغ ، وإلى المدخرين كافة ، وإن قل ما يدخرون ، ليقدم كل منهم على تدبير استثمار ماله والنظر فيما يصلحه وفيما ينبغي اتقاؤه ، لتجنب الخسارة فيه وزيادة الربح منه ، وتنطلق تيارات النشاط وحوافز الكسب التي فطر الناس عليها في جنبات الأمة كلها ، ويستوي للفرد من كل ذلك ، رشد مالي يظهره على طرائق الاستثمار ويكسبه خبرة تيسر له اختيار أحسن السبل للتنمية ، وتمنعه من أن يتحيفه مقترض بربا ، يقل كثيرا عما يفيء به المال من واقع الاستثمار ، أو يذهب بالمال ليستثمر في بلد أجنبي ، تقتضى مصلحة رب المال وأمته من ورائه ، أن يستثمر المال في غير هذا البلد ، وفقا لما تجري عليه تجارة المصارف الربضوية ، التي يقوم أصل كسبها على انتجاع مواطن الزيادة في الربا الذي تأخذه على ما تؤتيه مقرضيها من المودعين .
ويستشعر الغني كذلك مقتضيات التكافل مع من يعوزهم المال ويقدر آثار معاونتهم حق قدرها ، في ترضيتهم وتوقي عواقب سخطهم ، وهم الأكثرون ، والحفاظ على تدفق نشاطهم
__________
(1) الأستاذ الشيخ أبو زهرة، في مقدمة زكي الدين بدوي، ص ر وانظر رد هذا القول في ص 133 ج2 وتجد في الرد خلطا بين ربا الفضل وربا القرض
(2) انظر قرارات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية، طبع الأزهر الشريف، 1385 \ 1965