تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّها حبائل إبليس ، و تلبيسات الخسيس ، فالحذارِ الحذار ، و إلا فالنّار و العار و الشنار و الدمار .

و من تلبيس إبليس على العباد تزيين الباطل لهم ، و تقريب الذرائع ليوقعهم ، حتى يتوسّعوا في الرخص ، فيصيروا إلى الحِيَل ، و يقعدوا عن النوافل ، فيصيروا إلى ترك ما وجب من العمَل .

و إذا اجتمعت على المرء غربة الدين و غربة الدار ، صار إلى حالٍ ليس لها من دون الله كاشفة ، ما لم يُقيَّض له من يُمسك بيده ، أو يأخذ عن النار بحُجَزه ، فيقف بالنصيحة إلى جانبه ، يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر ، يعينه إن ادّكر ، و يواسيه إن صَبَر .

و من هذا الباب تأتي موعظتنا الساعةَ ، حبّاً في الخير للغير ، فقد روى الستة و أحمد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، أنّ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) ، و دعوةً إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، رجاء أن نكون من المصلحين ، كي لا يعمّنا الله بعذاب من عنده ، قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون َ [هود:117] .

و روى أحمد و أبو داود و الترمذي ، و اللفظ له عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أنّه قَالَ : « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .

فمن أمر بالمعروف و نهى عن المنكر فقد أدى ما أمره الله به في هذا الباب ، و وجب عليه برّ من استجاب لدعوته و الإحسانُ إليه و من أصرّ على ما وقع فيه من المنكرات ، و أعرض عمّا أقيم عليه من الحجج البيّنات ، و جب زجرُه بهجرِه ، لما رواه أبو داود بإسناد صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ : يَا هَذَا اتَّقِّ اللَّهِ وَ دَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ » .

و ممّا شاع بين المسلمين في زماننا و مُقامنا هذا طلبُ المال من غير حلّه ، و من ذلك الحصول عليه بوسائل غير مشروعة ، قائمةٍ على التحايل و التطاول تارةً ، و على التذلّل و الانكسار للكفّار ، و امتهان النفس أمامهم تارة أخرى ، فضلاً عن مباشرة العمل المحرّم ، و منه الأعمال التابعة للكنائس ، و إن بدا أنّها أعمال برٍّ و إنسانيّة ، و كذا العمل في المطاعم و المقاهي و النوادي ، التي تقدّم المحرّمات و تسوّقها ، فهل ضاقت الأرزاق على المسلم حتى يمتهن نفسه ، و يعمل نادلاً يقدم الخمرة للسكارى ، أو يُعلّب أو يطهو أو يقدّم للنزلاء لحوم الميْتَةِ و الكلاب و الخنازير ، طلباً لدُريهمات لا بركة فيها ، و لا يحلّ اكتسابها أصلاً ، فإنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّمه ثمنه و الإعانة عليه ، و من ذلك تحريم ثمن الكلب ، و مهر البغيّ ، و حلوان الكاهن ، الثابت في سنن أبي داود و النسائي و مسند أحمد بإسنادٍ صحيح .

و مثل ذلك لعنُ عشرةٍ بسبب الخمرة ، فقد روى الترمذي و ابن ماجة و أحمد عن عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : « لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً : عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِىَ لَهَا وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ » .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٤٤٣