تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال تعالى : " وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبنها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا * أعد الله لهم عذاباً شديداً فاتقوا يا أولى الألباب " ، وقال ابن القيم رحمه الله " إذا ظهر الزنا والربا في قرية أُذن بهلاكها " فبدأت المحن تتوالى والمصائب تتابع من جرّاء التعامل بالربا .

قال ابن عباس رضي الله عنهما " من كان مقيماً على الربا لا ينزع منه فحُق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلاّ ضرب عنقه " وصدق رضي الله عنه ، فالربا على شاكلة الزنا ، فمن هو الذي يستطيع أن يزني أمام الناس جهرة وعلانية ، ومن هو الذي يقر على نفسه بالزنا ثمّ لا يرجم ولا يجلد ، فالربا كذلك من أعلن التعامل به أو علم عنه ذلك ، فحقٌ على المسلمين هجره تأديباً وزجراً ، وواجب على وليّ الأمر تأديبه وتعزيره عنوة وقهراً ، حتى يعود إلى صوابه ويراجع دينه ويتوب إلى ربه ويعود عن غيّه وزيغه .

أيها المرابي .. يا من تتعامل بالربا : اتق الله ، واجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ، واحذر من مكر الله ، فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ، استعمل عقلك وحكم دينك وشرع نبيك ، الذي قال : " إنه أتاني الليلة آتيان ، وإنهما قالا لي ، انطلق ، وإني انطلقت معهما ، .. فانطلقنا فأتينا على نهر قال أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة ، فيفغر له فاه ، فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح ، ثم يرجع إليه ، كلمّا رجع إليه فغر له فاه ، فألقمه حجراً ، قلت لهما : ما هذان ؟ قالا لي : انطلق انطلق ، إلى أن قال : فإني رأيت الليلة عجباً ؟ فما هذا الذي رأيت ؟ قالا لي : أما إنا سنخبرك . أماّ الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ، ويلقم الحجارة ، فإنه آكل الربا " ( رواه البخاري ).

وهذا عذاب أهل الربا في القبور إلى يوم البعث والنشور وذلك تنكيلاً لهم ومدّاً للعذاب ، لاعتراضهم على الله في حكمه ، فالله يقول : " وأحلّ الله البيع وحرّم الربا " ، وهم يقولون : البيع مثل الربا ، فاعترضوا على الله في حكمه ورفضوا شرعه ، مع علمهم بتفريق الله بين البيع والربا ، وهو سبحانه العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون ، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده وما يضرهم . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " وكل رباً في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول رباً أضع ربا العباس " .

عباد الله : للربا صور عديدة ، ، وأشكالاٍ كثيرة ، حري بكل مؤمن أن يسعى جاهداً لمعرفتها ، وكشف حقيقتها حتى لا يقع في هذا الجرم العظيم ، والخطر الجسيم ، فمن صور الربا المتداولة بين الناس اليوم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل :

فمن صور الربا : أن يشتري الرجل سلعة بثمن مؤجل من شخص أو بنك أو معرض ، ثم يبيعها عليه بثمن حال أقل من ثمنها المؤجل قبل أن يسدد قيمتها كاملة ، فهذه حيلة على الربا ، يتحايلون على الله كما يتحايلون على الصبيان ( وهذا يسمّى بيع العينة ). قال عليه الصلاة والسلام : " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد ، سلط الله ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " ( رواه أبو داود وهو حديث صحيح بمجموع طرقه السلسة الصحيحة ) .

ولماّ سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن مثل هذه المعاملة قال : هذا حرام ، حرمه الله ورسوله . بل أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من فعل ذلك من الصحابة جاهلاً بأنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .

ومن صور الربا : أن يستدين مبلغاً من المال على أن يعيده بزيادة ، سواءً كان المتعامل معه شخصاً أو شركة أو بنكاً أو غيرها ، فتلك المعاملة رباً ، والربا حرام .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٣٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٣٩١