تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن خلال النظر في الكلام الذي ساقه ابن القيم يمكن الخروج بنتيجتين منطقيتين لآثار الربا، وهما: دفع المال من وقت إلى آخر واستغراق أموال الربا لجميع موجودات المدين.

الأثر الأول: دفع المال من وقت إلى آخر.

وهو ما كان يعرف في الجاهلية بعبارة "زدني وأربِ"، أي زدني في أجل الدين وارفع من سعره؛ فيستفيد المدين من الوقت والدائن من زيادة المال، وهذا الصنف من المعاملة وما يدور في فلكه يطلق عليه اسم "ربا النسيئة" حسب تصنيف الفقهاء، وهو محرم بالإجماع(7). وهو نفس التقنية التي تطبق اليوم وعلى نطاق واسع في جميع الاقتصاديات سواء على مستوى الأفراد أو الشركات بل وحتى الحكومات والدول. وما إعادة الجدولة التي تطلبها دول العالم الثالث من نادي باريس للحكومات الدائنة أو نادي لندن للبنوك التجارية العالمية إلا إحدى أساليبها. فعندما تعجز هذه الدول عن الوفاء بالأقساط المطلوبة منها كل سنة فإنه يمنح لها زيادة في الوقت مع تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي للإصلاحات الاقتصادية ويزاد في أسعار الفوائد (الربا) ثم تمنح لها قروض ربوية لتسديد ما اقترضته من قبل. وهكذا الحال بالنسبة للشركات الكبيرة أو الحكومات بشكل عام؛ فإن طرق تمويل نفقاتها أو مشروعاتها لا يخرج عن نطاق الشراكة أو الاقتراض الربوي. ويمثل الطريق الأول الأسهم والثاني السندات الربوية بمختلف أشكالها. وما يلاحظه الدارس لأوضاع الدول المتقدمة والشركات فيها بل وحتى الأفراد هو الاعتماد على الطريق الثاني بدل الأول، وهذا نتيجة لعوامل عدة ليس هذا مجال بحثها.

هذا الوضع بالنسبة لليابان في الثمانينيات والدول الآسيوية الأخرى في التسعينيات أدى إلى انتشار ظاهرة اقتصاد الفقاعة ويقصد بها المبالغة في التفاؤل باستمرار أيام الازدهار وما صاحبها من إقدام الناس على شراء البيوت وغيرها من العقارات أو المنقولات بأسعار مرتفعة وتمويل ذلك عن طريق الإقراض الربوي. فبدأت الأموال الربوية تتراكم سنة بعد أخرى حتى تعرض قطاع العقارات في اليابان وأسواقها المالية إلى هزة عنيفة عام 1990 بسبب كبر حجم القروض التي لا يستطيع أصحابها سدادها مما أثر على النظام المالي، وخاصة البنوك، وظهر ما كان مخفياً لعدة سنوات من أن النظام المالي في اليابان يعاني من مشكلات ولابد له من إصلاحات لتجاوزها.

وكان من بين الحلول المطروحة أن تدع الحكومة اليابانية المؤسسات المعسرة تلاقي مصيرها المحتوم - وهو الإفلاس وإغلاق الأبواب - غير أنها لم تر العمل بتلك السياسة وأن لديها من الأموال ما يكفي لتغطية تلك الديون المعدومة وإنقاذ المؤسسات التي سيؤثر انهيارها على عملية استقرار النظام المالي برمته.

استمر الوضع على هذا المنوال حتى جاءت عملية إفلاس شركة ياماييشي في النصف الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1997، وهي رابع أكبر شركة سمسرة مالية في اليابان ويعد سقوطها أكبر حدث سلبي شهده الاقتصاد الياباني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد تزامن سقوط ياماييشي مع انهيار مؤسستين ماليتين أخريين وهما: شركة سانيو للسمسرة المالية وبنك هوكايدو طاكوشوكو(8). وقد قدرت المستحقات التي على هذه الشركة عند إغلاقها(9) بـ 3509 مليار ين (27.8 مليار دولار) مع تسريح آلاف العمال في اليابان وخارجها.

وإذا كان سقوط ياماييشي لن يؤثر كثيراً على أداء الاقتصاد الياباني الذي لديه من الاحتياطات المالية ما يغطي مثل تلك المبالغ المستحقة عليها؛ غير أن هذه الجزئية لا يجب فصلها عن وضع النظام المالي في اليابان الذي أظهرت التقارير والتحاليل الرسمية وغيرها عن وضعه الأمور التالية:

1 - من المتوقع أن يعلن 13 مصرفاً من مجموع الـ 19 مصرفاً كبيراً عن خسائر في تقاريرها المالية هذا العام، وذلك نتيجة إسقاط القروض المعدومة الكبيرة من ميزانيتها. وإذا كان بنك اليابان - البنك المركزي - مستعداً لدفع مبالغ لأية مصرف يمكن أن يؤثر سقوطه على استقرار النظام المالي فإن حل مشكلة القروض المعدومة في التسعة عشر بنكاً الكبيرة سيكلف مبالغ تتجاوز قيمتها 8 تريليون ين (62.5 مليار دولار)(1).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩١٣