تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن صور محقه في الآخرة: عدم تسخيره في الطاعة لعلمه أنه محرم، ولو تصدق به أو حج أو أنفق في وجوه البر لكان حرياً بالرد وعدم القبول؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم إن ما يحصل له من شدة الحساب والعذاب المرتب على الربا في البرزخ وعند النشر من أعظم المحق؛ ذلك أن الأصل في المال منفعة ينفع صاحبه، والمرابي عاد عليه ماله بالضرر.

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلٍّ"(1).

قال المناوي رحمه الله : "أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلاً يؤول إلى نقص ومحقٍ آجلاً بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك؛ فهو مما يكون هباءً منثوراً. قال الطيبي: والكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا؛ فيجب أن يقدر: مال الربا؛ لأن مال الربا ربا"(2).

ولا يشك مؤمن أن القليل المبارك من المال خير من الكثير الممحوق البركة ولو كان الكثير محل إعجاب الناس وتطلعاتهم ورغباتهم؛ ولذا قال الله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴿المائدة: 100﴾.

والواقع المشاهد يؤكد هذه الحقيقة التي قررتها نصوص الشريعة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي والأممي.

أما على المستوى الفردي فإن أكثر الناس في هذا العصر عصر الربا يشكون من قلة بركة أموالهم رغم كثرة دخولاتهم وتعدد سبل كسبها.

أما على المستوى الأممي العالمي فرغم اختراع الآلة، واستغلال ثروات الأرض، وتنوع الصناعات، وتعدد الزراعات التي أصبح الإنسان المعاصر ينتج منها في اليوم ما لم يستطع إنتاجه من قبل في سنوات؛ حتى صارت أرقام الإنتاج الزراعي والصناعي أرقاماً عالية جداً؛ رغم ذلك كله فإن أكثر سكان الأرض يعيشون فقراً، ولا يجدون كفافاً، وفي كل يوم يموت منهم جموع من الجوع والمرض؛ فأين هي المنتجات الزراعية والصناعية؟ لِمَ لمْ تسدَّ جوع الملايين من البشر وهي تبلغ ملايين الملايين من الأطنان؟ فما كانت إذن قلة إنتاج؛ ولكنها قلة بركة فيما ينتجون ويزرعون ويصنعون!!

وأما حلول العقوبات، فإن المحسوس المشاهد منها الذي يعاني منه البشر في عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يعد. وهناك عقوبات معنوية يعاني منها أكثر الناس ولم يكتشفوا سر تلك المعاناة ومنها: استعباد المادة للإنسان بحيث تحولت من كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها، ثم يشقى بحفظها، ويخشى فواتها. وتلك عقوبة أيُّ عقوبة!!

إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسه الربا يريد الاستغناء بالأشياء، فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجس زوالها فيظل شقياً في تحصيلها، شقياً في الحفاظ عليها. وهل يجد لذة الحياة من نعّم جسده، وعذّب قلبه، وأي عذاب أعظم من عذاب القلب؟!

وقد كان الإنسان قبل العصر الرأسمالي يستغني عما لا يستطيع تحصيله، ويقنع بما كتب له؛ فيرتاح باله، ويطمئن قلبه.

----------------------

2 الربا سبب لازدياد الفقر:

----------------------

سيطرة المادة على الناس، وخوفهم من الفقر والحاجة، وانعدام قناعتهم بالضروري من العيش، وتطلعهم إلى كماليات لا يحتاجونها، إلى غير ذلك انتشر وساد في العصر الرأسمالي الربوي. وكل ذلك وتوابعه ليست أخلاقاً ذميمة فحسب؛ بل هو عقوبات وعذاب يتألم الناس من جرائها في زمن انتشار الربا؛ حتى أصبح الفقير يريد الغنى، والغني يريد أن يكون أكثر ثراء، وصاحب الثراء الفاحش يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحب الذات وكراهية المتنافسين، وغير ذلك من الأخلاق الرديئة، وصار في الناس مستورون لا يقنعون، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى.

وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا، وارتباط المعاملات المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر، واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين، وهذا ما جعل أحد كبار الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا: تجارة الموت؛ فيقول: "الربا تجارة الموت، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل مضاعفة رأس المال ببيع السلاح"(1).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩١٠