قال النووي رحمه الله تعالى : "هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين، والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل"(5).
وقال الصنعاني: "أي دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة، وهو دليل على إثم من ذكر وتحريم ما تعاطوه، وخص الأكل؛ لأنه الأغلب في الانتفاع، وغيره مثله"(6).
أضرار الربا الدنيوية:
----------------------
إذا تلوثت الأجواء أصاب كلَّ من يتنفس الهواء نصيبٌ من هذا التلوث، وإذا تكدرت المياه دخل شيء من كدرتها جوف كل شارب منها، وهكذا يقال في كل شيء متلوث يباشره الناس، حتى الأموال إذا داخلها الكسب الخبيث أصاب المتعاملين بها بيعاً وشراءً، وأخذاً وعطاءً شيء من خبثها وسحتها؛ فكيف إذا كانت بنية الاقتصاد العالمي على الكسب الخبيث؛ وفقاً للنظرية الرأسمالية المبنية على الحرية المطلقة في الأموال، والمقررة أن الغاية تسوِّغ الوسيلة؟ فلا شك والحال ما ذكر أن تتلوث الأموال عالمياً بالكسب الخبيث؛ حتى إن من حاول الاحتراز والتوقي يصيبه رذاذ خبث الأموال، وغبار الربا المتصاعد منها، مصداقاً لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره"(1).
وإذا كان الأمر كذلك فإن حصول أضرار دنيوية اقتصادية واجتماعية وغيرها متحقق ولا مفر منه في كل أمة انتشر فيها الربا وما يتبعه من كسب خبيث كما دلت على ذلك النصوص والعقل وواقع حال البشر في هذا العصر الذي علا فيها شأن الاقتصاد المبني على الربا على الشؤون الأخرى.
ومن تلكم الأضرار الدنيوية ما يلي:
1 أن الربا سبب للعقوبات ومحق البركات:
قال الله تعالى : يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ﴿البقرة: 276﴾، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ﴿الروم: 39﴾.
والآيتان دالتان على مباركة المال بالصدقة لترغيبهم فيها، ومحقه بالربا لترهيبهم وتنفيرهم منه، لا سيما أن النفوس البشرية تحب تملك المال وتنميته وتموله؛ فقد تتقاعس عن الصدقة شحاً به، وتتعامل بالربا تنمية له؛ فبين الله تعالى أن البركة تحصل بالصدقة، والمحق يحصل بالربا.
قال الرازي: "لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ذكر ههنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده؛ وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير؛ فبين تعالى أن الربا وإن كان في زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف؛ بل يعول على ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف"(2).
والظاهر أن محق الربا للمال يكون في الدنيا والآخرة؛ لعموم النصوص وعدم تخصيصها المحق بدار دون أخرى:
ومن صور محقه في الدنيا: عدم بركته، وإنفاقه فيما لا يعود على صاحبه بالنفع بل فيما يضره؛ ليقينه أنه كسب خبيث فينفقه في خبيث أيضاً، فيكتسب به إثمين: إثماً في الاكتساب، وإثماً في الإنفاق؛ ذلك أن كسب المال من حرام لا يجيز إنفاقه في الحرام كما يظن كثير ممن يتخوَّضون في الحرام. ثم إن من استغل حاجة الفقراء وأكل أموال الناس بالربا فإنهم يبغضونه ويلعنونه ويدعون عليه؛ مما يكون سبباً لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله، وإذا جمع مالاً عظيماً بالباطل توجهت إليه أطماع الظلمة والغاصبين، ويشجعهم على ذلك أنهم لا يرون أحقيته بالمال، فيسوِّغون لأنفسهم أخذه منه أو مشاركته فيه.