ومن تلكم الأضرار الدنيوية ما يلي:
1 أن الربا سبب للعقوبات ومحق البركات:
قال الله تعالى : يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ﴿البقرة: 276﴾، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ﴿الروم: 39﴾.
والآيتان دالتان على مباركة المال بالصدقة لترغيبهم فيها، ومحقه بالربا لترهيبهم وتنفيرهم منه، لا سيما أن النفوس البشرية تحب تملك المال وتنميته وتموله؛ فقد تتقاعس عن الصدقة شحاً به، وتتعامل بالربا تنمية له؛ فبين الله تعالى أن البركة تحصل بالصدقة، والمحق يحصل بالربا.
قال الرازي: "لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ذكر ههنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده؛ وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير؛ فبين تعالى أن الربا وإن كان في زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف؛ بل يعول على ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف"(2).
والظاهر أن محق الربا للمال يكون في الدنيا والآخرة؛ لعموم النصوص وعدم تخصيصها المحق بدار دون أخرى:
ومن صور محقه في الدنيا: عدم بركته، وإنفاقه فيما لا يعود على صاحبه بالنفع بل فيما يضره؛ ليقينه أنه كسب خبيث فينفقه في خبيث أيضاً، فيكتسب به إثمين: إثماً في الاكتساب، وإثماً في الإنفاق؛ ذلك أن كسب المال من حرام لا يجيز إنفاقه في الحرام كما يظن كثير ممن يتخوَّضون في الحرام. ثم إن من استغل حاجة الفقراء وأكل أموال الناس بالربا فإنهم يبغضونه ويلعنونه ويدعون عليه؛ مما يكون سبباً لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله، وإذا جمع مالاً عظيماً بالباطل توجهت إليه أطماع الظلمة والغاصبين، ويشجعهم على ذلك أنهم لا يرون أحقيته بالمال، فيسوِّغون لأنفسهم أخذه منه أو مشاركته فيه.
ومن صور محقه في الآخرة: عدم تسخيره في الطاعة لعلمه أنه محرم، ولو تصدق به أو حج أو أنفق في وجوه البر لكان حرياً بالرد وعدم القبول؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم إن ما يحصل له من شدة الحساب والعذاب المرتب على الربا في البرزخ وعند النشر من أعظم المحق؛ ذلك أن الأصل في المال منفعة ينفع صاحبه، والمرابي عاد عليه ماله بالضرر.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلٍّ"(1).
قال المناوي رحمه الله : "أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلاً يؤول إلى نقص ومحقٍ آجلاً بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك؛ فهو مما يكون هباءً منثوراً. قال الطيبي: والكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا؛ فيجب أن يقدر: مال الربا؛ لأن مال الربا ربا"(2).
ولا يشك مؤمن أن القليل المبارك من المال خير من الكثير الممحوق البركة ولو كان الكثير محل إعجاب الناس وتطلعاتهم ورغباتهم؛ ولذا قال الله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴿المائدة: 100﴾.
والواقع المشاهد يؤكد هذه الحقيقة التي قررتها نصوص الشريعة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي والأممي.
أما على المستوى الفردي فإن أكثر الناس في هذا العصر عصر الربا يشكون من قلة بركة أموالهم رغم كثرة دخولاتهم وتعدد سبل كسبها.
أما على المستوى الأممي العالمي فرغم اختراع الآلة، واستغلال ثروات الأرض، وتنوع الصناعات، وتعدد الزراعات التي أصبح الإنسان المعاصر ينتج منها في اليوم ما لم يستطع إنتاجه من قبل في سنوات؛ حتى صارت أرقام الإنتاج الزراعي والصناعي أرقاماً عالية جداً؛ رغم ذلك كله فإن أكثر سكان الأرض يعيشون فقراً، ولا يجدون كفافاً، وفي كل يوم يموت منهم جموع من الجوع والمرض؛ فأين هي المنتجات الزراعية والصناعية؟ لِمَ لمْ تسدَّ جوع الملايين من البشر وهي تبلغ ملايين الملايين من الأطنان؟ فما كانت إذن قلة إنتاج؛ ولكنها قلة بركة فيما ينتجون ويزرعون ويصنعون!!