تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجتمع الذي تثمَّر أمواله عن طريق الربا مجتمع متخلف بينما المجتمع التي تثمر أمواله عن طريق المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية مجتمع متطور ومجتمع ينمو ، والقاعدة كلما توافرت السلعة انخفض سعرها وإذا انخفض سعرها كثر المنتفعون بها وإذا كثر المنتفعون بها عم الرخاء في المجتمع وفي القرآن الكريم آيات دقيقة قال تعالى ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (7) سورة الحشر

المال أخطر ما فيه أن يتجمع في أيدٍ قليلةٍ ، ويمكن أن نقول إذا تجمعت الكتلة النقدية بين أيدي الناس ولا أعرف كم هي ، قد تقول لي خمسة آلاف مليون أو أكثر، والرقم كبير جداً فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية تطغى لكن هذه الكتلة إذا كانت موزعة في أوسع شريحة فنحن بخير ، أما إذا تجمعت في أقل شريحة فالشقاء يعم ، أمن العدل انّ واحداً يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً ، وهذا سبب كل المشكلات والاضطرابات والثورات وأعمال العنف .

حدثني أخ كريم يعمل في الأمن الجنائي أنه مع ضيق المكاسب وقلة الأعمال ارتفعت نسبة الإجرام إلى عشرة الأمثال تقريباً ، والعالم الغربي يعاني أخطر ما يعاني من البطالة ، بأرقام دقيقة جداً خمسة ملايين أو عشرة ملايين إلى درجة أن النسبة بالمائة ثلاثَ عشرةَ من القوى العاملة بلا عمل بسبب استثمار الأموال عن طريق الربا .

أما إذا استثمرت عن طريق المشروعات عم الرخاء ، وهذه أول نقطة ، المال إما أن تستثمره عن طريق الربا أو عن طريق المشاريع الإنتاجية ، في الحالة الأولى يؤدي الربا إلى تخلف الأمة وبالحالة الثانية تتقدم الأمة عن طريق الرخاء الاقتصادي .

بعض علماء الغرب يقول : إلغاء نظام الربا يوسع نطاق الاستثمار .

الشيء الثاني أن الربا أحد أسباب البطالة وهذه أشرت إليها في الدرس الماضي ، فلا تتصور مشروعاً تجارياً أو صناعياً إلا وآلاف المصالح متعلقة به ، عندك محل صغير فلا بد من فواتير إذاً فلا بد من مطبعة و المطبعة تحتاج إلى خطاط والخطاط يريد زنغوغراف والمطبعة تحتاج إلى ورق ، فلا بد من الاستيراد والمستورد يريد محاسباً والمحاسب يحتاج قرطاسية والقرطاسية... عمل متسلسل ، عندما أنت تقيم مشروعاً يجب أن تُشغّل عشرات الألوف وأنت لا تدري فأنت مضطر أن تشتري حاجات ، وخدماتٍ ، تريد شاحنة والشاحنة لها من يصلحها من حين إلى آخر وتحتاج زيتاً وقطع غيار والذي يصلحها لك عنده موظفون يعطيهم معاشات ، فالدولاب إذاً دائم الحركة .

ذات مرة قلت لكم إنه لفت نظري شخصان في مكان ، أحدهما صاحب معمل تطريز ، قال للآخر : بعنا السنة الماضية بيعاً مذهلاً ، فسأله : ما السبب ؟ قال له : كانت أمطارٌ غزيرة في الحسكة و في الجزيرة ، وهو يصنع قماش تطريز و هذا بيعه قليل جداً ، و لكن لأن الإنتاج الزراعي وفير جداً فالفلاح عندما اغتنى اشترى لزوجته أقمشة من الدرجة العالية ، إذاً الحركة عبارة عن عجلة إذا دارت فكل شيء يدور معها ، فأول أضرار الربا أنه يسهم في البطالة ، المرابي لا يوجد عنده غير حركة واحدة أن يضع المال بالمصرف و يأخذ إيصالاً و يقبع في بيته ، لا يريد محاسباً و لا يريد شاحنة و لا يريد مطبعة و لا يريد فواتير ولا يريد أي شيء آخر ، حينما أودع ماله في المصرف و قبع في بيته يتقاضى الفوائد وقد يقول لك و الله : الحمد لله عندي دخل أعلى من حاجتي بكثير ، و هناك نقطة هامة ، هي نقطة خطيرة جداً وهي : أن الإنسان عندما يعمل يحقق وجوده ، والقابع في بيته تجده في خلاف مع زوجته ، وكل يوم هناك عراك طوال النهار ، تطلب منه مغادرة البيت ، وأن يتغيب عن المنزل لتتفرغ للعمل من دون تدخلاته ، فالعمل يحقق ذات الإنسان وعندئذ كل إنسان يأخذ دوره الحقيقي بالمجتمع .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٦٦