4- هناك من يقول: إن تحريم الربا يؤدي إلى شلل في الاقتصاد على مستوى الفرد والمجتمع، لأن معنى ذلك هو إلغاء المصارف، والعلاقات الاقتصادية القائمة في حياة الناس على أساس الربا ... مما يجعل من التحريم، أمراً غير واقعي، ولا عملي، فلا يكون صالحاً للتطبيق، فلابد من تجميده في هذه الظروف من أجل مصلحة الإنسان التي قد تواجه بعض السلبيات في مقابل الكثير من الإيجابيات ..
ونجيب على ذلك، بأن كل حكم إسلامي، تحريماً أو إيجاباً أو إباحة، لا يمكن أن نعرف واقعيته وعلاقته بالحل الشامل لمشكلة الإنسان، إلا من خلال مقارنته بالأحكام الأخرى التي تلتقي معه في إيجاد الحل؛ لأن الإسلام يمثل في أيّة مشكلة من مشاكل الواقع، كلاّ مترابط الأجزاء، أو هيكلاً متناسق الخصائص فيما يطلقه من تشريعات لتحقيق الحل الأفضل الشامل ... وهذا هو ما نفهمه في موضوع تحريم الربا فأننا لا نستطيع معرفة سلبياته وإيجابياته في نطاق النظام الرأسمالي الذي يمثل الربا العمود الفقري له ولا يمكن أن نفكر في إلغاء الربا، مع إبقاء العلاقات الاقتصادية على ما هي عليه، لأننا لا نتحدث عن التحريم على أساس الأمر الواقع بل من موقع العمل على تغيير النظام في قواعده وأسسه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي نعرف فيه الإيجابيات العملية لتحريم الربا في الخطة الإسلامية المتكاملة(27).
5- وقال بعضهم: إن البنك ليس شخصاً مكلفاً، يتوجه إليه الأمر والنهي، وزعم أن الشرع لا يعرف (الشخصية المعنوية) وهو جهل قبيح. فقد عرض الشرع الشخصية المعنوية في (بيت المال) وفي (المسجد) و(الوقف) وغيرها, وجاء في أحاديث الزكاة في الصحاح اعتبار الخليطين في الماشية؛ بمثابة شخص واحد، وطرده بعض الفقهاء في كل الأموال، وهو ما أخذ به مؤتمر الزكاة المنعقد بالكويت، في اعتبار الشركات كالشخص الواحد. وكأن هذا القائل يبيح للشركات أن تروج الخمر، وتتاجر في الدعارة، وغيرها، لأنها ليست شخصاً مكلفاً!!
6- وقال من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لقي ربه ولم يبين ما هو الربا، ورووا في ذلك أثراً عن عمر، وهم عادة لا يعنون بالآثار ولا يعتمدونها، وإن صح هذا فهو في صور ربا البيوع الجزئية, أما ربا النسيئة أو ربا الديون، فهو مما لا ريب فيه، ولا يختلف فيه اثنان.
وإني لأعجب لهؤلاء كيف يتصورون أن يحرم الله شيئاً، وينزل فيه من الوعيد الهائل ما لم ينزله في غيره، كما في قوله تعالى: ?ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ? [البقرة:275-279].
وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «ما ظهر الزنى والربا في قرية إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله»(28)؛ فكيف سمع الصحابة رضي الله عنهم هذا كله، ولم يعرفوا ما هو الربا؟ ولم يسألوا عنه؟ وكيف لم يبينه لهم الرسول الكريم؟ والبيان–كما يقول العلماء– لا يجوز أن يتأخر عن وقت الحاجة؟ وكيف يكتمل الدين وتتم به النعمة إذا لم يتبين أهله المحرمات الكبيرة المتصلة بحياة الناس؟ وما معنى قوله تعالى: ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً? [المائدة:3]، لأن فقه المعاملات بصورة عامة إنما جاءت نصوصه بصفة عامة بصورة أوامر شاملة ليست تفصيلية، وهذا ما يراه كل مطلع، وعموماً فإن القطعيات والثوابت لا يرد فيها نصوص تفصيلية أو ما يبين كل جزئيات المسائل، كما بينا ذلك في مقدمة هذا البحث.