تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصدرت فرنسا التمرد على الدين وعزله عن الحياة إلى كل أوربا، ومن ذلك التمرد على تحريم الربا، وقد كان اليهود في ذلك الحين من أصحاب المال، وبدأت الثورة الصناعية، واحتاج أصحاب الصناعات إلى المال لتمويل مشاريعهم، فأحجم أصحاب المال من غير اليهود عن تمويل تلك المشاريع الحديثة خشية الخسارة..أما اليهود فبادروا بإقراضهم بالربا، ففي قروض الربا الربح مضمون، ولو خسر المقترض، وقد كانت أوربا في ذلك الحين مستحوذة على بلدان العالم بقوة السلاح، فارضة عليها إرادتها، فلما تملك اليهود أمرها وتحكموا في إرادتها كان معنى ذلك السيطرة والتحكم في العالم أجمع، ومن ثم فرضوا التعامل بالربا على جميع البلاد التي تقع تحت سيطرة الغرب، فانتشر الربا وشاع في كل المبادلات التجارية والبنوك، فاليهود كانوا ولا زالوا إلى اليوم يملكون اقتصاد العالم وبنوكه..إذن.. اليهود هم وراء نشر النظام الربوي في العالم(26) .

شبه حول تحريم الربا:

مما يروج له المماحكون في موضوع الربا عدة أمور:

1- أنّ الزيادة في القرض حق للمرابي، لأن المال الذي يدفعه للمقترض يتيح له الفرصة للعمل وللربح تماماً كما هو حال صاحب الدار الذي يتيح للمستأجر فرصة الانتفاع بالسكنى فيأخذ الأجرة في مقابل ذلك فالقضية في مجملها، هي أن تكون الزيادة في مقابل المنفعة، فكيف يكون ذلك أكلاً للمال بالباطل.

ونجيب على ذلك، بأنّ المنفعة في الدار هي أمر حقيقي قائم بالدار، وهي ملك لصاحبها كما هي الدار ملك له فيستحق العوض عليها من مستثمرها الذي لا يتحمل أيّة مسؤولية فيما يحدث للدار إذا لم يكن هناك اعتداء من قبله فإذا تلف شيء من الدار من دون تعدّ ولا تفريط فإن المالك هو الذي يتحمله وحده، أما رأس المال في القرض فأن العامل يتحمل مسؤوليته، بالإضافة إلى الزيادة، من دون أن يتحمل صاحب المال شيئاً، فهو رابح دائماً بينما يكون العامل معرّضاً للربح والخسارة، مما يعني أن القضية ليست انتفاعاً بمال الآخرين في مقابل أجرة، بل القضية هي الانتفاع بماله الذي يتملكه بالقرض في مقابل ضمانه له ... وتحمّله لمسؤوليته ... مما يجعل بين الأمرين فرقاً كبيراً.

2- أن الزيادة المأخوذة في معاملة الربا، ليست زيادةً في الحقيقة، بل هي تعويض لصاحب المال عن الخسارة الطارئة بسبب ضعف القوّة الشرائية للعملة على مرور الزمن ... وربما تكون الخسارة أكثر من التعويض، كما نشاهده في العملات التي تهبط إلى أكثر من النصف، بينما تكون الزيادة بنسبة خمسة بالمائة أو أكثر أو أقل قليلاً ... وذلك من خلال الأوضاع الاقتصادية المرتبكة.

ونجيب على ذلك: أن القضية إذا كانت على هذا الأساس، فكيف نصنع بالحالة الاقتصادية التي تساهم في رفع سعر العملة، فهل يتوقف الدائن عن طلب الزيادة، أم يظل على موقفه في حالة الزيادة والنقصان ... إن فكرة التعويض لا تنسجم مع طبيعة قانون الربا الذي لا يراعي الدقّة في هذا الجانب فيما يفرضه من زيادة ثابتة في جميع الأحوال ...

3- إن بعض الناس قد يحتاجون إلى أن يحركوا أموالهم في اتجاه الربح من دون أن يقدّموا عملاً عضوياً أو فكرياً في ذلك، إمّا لعجزهم عن العمل وإمّا لظروف ذاتية خاصة ... فما هي الطريقة إلى تحقيق ذلك، بدلاً عن الرّبا ... وقد يضيف هؤلاء، إننا نعرف أن الربح لا يتحرك من خلال العمل، بل ينطلق من عنصرين ... رأس المال، والعمل، فلولا المال لما تمكن العامل من التجارة، ولما استطاع صاحب المصنع أن يصل إلى ما يريده من مستوى الإنتاج، فلابد من أن يكون لرأس المال حصة من أجل تحقيق العدالة والتوازن في هذا المجال.

ونجيب على ذلك ... بأن الإسلام قد وضع حلاً عملياً يرتكز على المزاوجة بين رأس المال وبين العمل وهو المضاربة، التي تمثل الشركة بين صاحب المال وبين العمل بحيث تكون النتيجة لهما على حسب الاتفاق بينهما في مقدار الحصّة لأيّ منهما، في حالة الربح، كما أن الخسارة في حالة حدوثها تلحق رأس المال تماماً كما يخسر العامل عمله ... وبذلك يتم التوازن في حركة المال نحو الربح من دون عمل، وحركة العمل نحو الربح من دون رأس مال ... فيتحمل كل منهما خسارة الجانب الذي يقدّمه في حالة الخسارة، كما يحصل كل منهما على الربح في حالة الربح ...

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٤٩