أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه([3]).
وهذا تلميح بالتحريم لأنه جاء على سبيل الحكاية عن بني إسرائيل وأن الربا كان محرماً عليهم، فاحتالوا على أكله، فهو بذلك تمهيد ، وإيماء إلى إمكان تحريم الربا على المسلمين كما هو محرم على بني إسرائيل…
وفيه إيماء آخر ، وهو أنه إذا حرم عليكم الربا فلا تفعلوا مثل فعلهم، فتلقوا من العذاب الأليم مثل ما لقوا لأن هذا السلوك ليس إلا سلوك الكافرين والعياذ بالله([4]).
3. المرحلة الثالثة:- في سورة آل عمران حيث يقول تعالى:- " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون، واتقوا النار التي أعدت للكافرين ، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون"[ آل عمران : 130 –132 ] .
أي: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم([5]).
وهذا مفيد لتحريم الربا- كما سبق بيانه – إلا أنه لم يكن فيه من التهديد والوعيد ما كان في آخر مراحل التحريم.
4. المرحلة والأخيرة :- وفي هذه المرحلة جاءت الآيات الكريمة بالحكم الشرعي:- " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم" إلى قوله:- " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" [ البقرة : 275 – 279 ].
وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:- " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين" إلى قوله " وهم لا يظلمون" [ البقرة : 278 – 279 ] قال:- (هذه آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم([6]).
v ويستمر تحريمه إلى يوم القيامة ، هذا تاريخ الربا عبر التاريخ، وكابوسه الثقيل على الأمم وموقف الشرائع السماوية منه ومحاربته لإنقاذ البشرية من ويلاته ولكنْ يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان واستولى عليهم الشحُّ إلا عتواً ونفوراً ليستمروا على التحكم بأموال الناس بغير حق([7]).
([1]) الفائدة والربا : 30 .
([2]) فقه وفتاوى البيوع : 152 .
([3]) تفسير ابن كثير : 3 / 553 .
([4]) الفائدة والربا : 30 .
([5]) جامع البيان : 3 / 34 .
([6]) البخاري مع الفتح : 4 / 368 باب موكل الربا .
([7]) فقه وفتاوى البيوع : 152 . وانظر في التدرج في تحريم الربا : فقه السنة : 3 / 156 والفائدة والربا الصفحات السابقة في الفصل . هذا وبعض العلماء لم يذكر هذا التدرج .
000000000000000
الفصل الرابع : آثار الربا الاجتماعية
تمهيد
إن الربا عمل يتنافى مع الشرع الإسلامي ، إنه يقوم على الاستغلال ، والمرابي لا يجعل الله في حسابه ولا يراعي المبادئ والغايات والأخلاق، وإنما الغاية عنده هي تحصيل المال بأي طريق وأية وسيلة، ويؤدي هذا إلى إنشاء نظام يسحق البشرية ويشقيها أفراداً وجماعات، دولاً وشعوباً، لمصلحة شرذمة قليلة من المرابين لا يرعون عهداً ولا ذمة لأحد من الناس([1]).
وللربا في المجتمعات التي تتعامل به آثارٌ وخيمة على الفرد وحده وعلى المجتمع بأسره ويمكن أن نبحث في آثار الربا الاجتماعية من ناحيتين:-
الناحية الأخلاقية والنفسية والناحية الجماعية وهي كما يلي:-
المبحث الأول:- آثار الربا من الناحية الأخلاقية والنفسية:-