فالجواب عن ذلك من وجهين: الأول: أنهما ذكرا ذلك بناء على التسليم بصحة حديث: "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره(109)".(110)
الثاني: أنهما لا يجيزان ذلك إذا كان سيربح فيه، أما إذا لم يربح فيه فلا بأس به عندهما(111)(112).
وقد سألت الشيخ الفقيه العلامة محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله- عن هذه المسألة، وهي: إسقاط الدين الثابت في ذمة شخص وجعله ثمناً لموصوف في الذمة مؤجل معلوم.
وقرأت عليه كلام العلامة ابن القيم – في الإعلام (2/9)- الذي رجح فيه جواز ذلك، وذكر أنه اختيار شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم قلت: ما رأيكم في ذلك؟ هل هو جائز؟
فقال الشيخ- رحمه الله-: نعم، هذا جائز، وليس فيه شيء، لكن بشرط ألا يربح فيه، وبشرط آخر ألا يبيعه بما لا يباع به نسيئة. ا.هـ.
فقلت: لقد باعه بمؤجل، ألا يشترط أن يكون حالاً؟
فال الشيخ –رحمه الله-:لا، لا يشترط؛ لأن الثمن قد قبض. ا.هـ.
فقلت: لقد قلتم –حفظكم الله- في الفرائد صـ 161-: (الخامس: ألا يبيعه بمؤجل فإن باعه بمؤجل فحرام باطل؛ لأنه بيع دين بدين).
فقال الشيخ-رحمه الله-: (إن المحذور في ذلك أن يؤجل من أجل أن يربح فيه، أما إذا لم يربح فلا بأس، ما دام الثمن قد قبض. ا.هـ.
فقلت: وقلتم أيضاً في الفرائد: (لأنه يتخذ حيلة على قلب الدين المحرم)، وقلتم أيضاً في مختارات من الإعلام صـ 39-: (وفيه محذور، وهو التحيل على قلب الدين كما هو ظاهر) فقال الشيخ –رحمه الله-: هذا إذا ربح فيه، أما إذا لم يربح، وأخذه بسعر يومه فلا بأس. ا.هـ، يوم الأحد 23/6/1420هـ.
ثم راجعته في المسألة مرة أخرى وقرأت عليه كلامه السابق الموجود في الفرائد، والمختارات مرة أخرى فأكد لي جواز ذلك بالشرطين السابقين.
فقلت له: إن لشيخ الإسلام، وتلميذه العلامة ابن القيم –رحمهما الله- كلاماً قد يشكل على اختيارهما في هذه المسألة، وهو قولهما: إنه لا يجوز أن يجعل المسلم فيه ثمناً لمسلم فيه آخر- وقد تقدم ذلك قريباً-.
فقال الشيخ –رحمه الله- هذا إذا كان سيربح فيه، أما إذا لم يربح، فلا بأس به عندهما ا.هـ، يوم الأربعاء 26/6/1420هـ.
فإن قيل: فإذا ارتفع سعر المسلم فيه عند حول أجله ارتفاعاً معتاداً، فهل يؤثر ذلك على صحة العقد؟
فالجواب: لا، لا يؤثر؛ لكون العقد قد وقع صحيحاً؛ لخلوه من الربح في الدين المبيع (المسلم فيه).
لكن يبقى أن يقال: هل يلزم المسلم أن يدفع للمسلم إليه القدر الزائد الذي طرأ في السعر؟
فالجواب: أن ذلك محل نظر، فقد يقال بذلك، لئلا يربح فيما لم يضمن، وقد يقال بعدمه – يعني أنه لا يلزمه ذلك- لأنه لم يشترط ذلك، ولم يكن له يدٌ فيه؛ وإنما هو رزق ساقه الله –تعالى- إليه، بسبب ارتفاع الأسعار المعتاد. والله أعلم.
المبحث الثاني
شروط جواز بيع الدين
يشترط لجواز بيع الدين – وهو تلخيص لما معنى- ما يلي:
الشرط الأول: "أن يكون معلوماً"(113) فإن كان مجهولاً لم يصح، إلا على سبيل المصالحة(114).
الشرط: أن يباع بسعر يومه (ألا يربح فيه). وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها.." (115)، ولأنه إذا باعه بأكثر من سعر يومه ربح فيه، وقد نهى صلى الله عليه وسلم- عن ربح ما لم يُضمن(116)، أي نهى عن الربح في شيء لم يدخل في ضمان البائع، والدين في ضمان من هو في ذمته، (في ضمان المدين)، ولم يدخل بعد في ضمان من هو له (في ضمان الدائن) حتى يجوز له الربح فيه. (117) قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: (فلم يجوِّز بيع الدين ممن هو عليه بربح، فإنه ربح فيما لم يضمن، فإنه لم يقبض، ولم يصر في ضمانه، والربح إنما يكون للتاجر الذي نفع الناس بتجارته، فأخذ الربح بإزاء نفعه، فلم يأكل أموال الناس بالباطل) (118).
ثم قال رحمه الله: (فإذا كان له دين وباعه من المدين بربح فقد أكل هذا الربح بالباطل، إذا كان لم يضمن الدين ولم يعمل فيه عملاً) (119).