تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المطلب الرابع

القسم الرابع: بيع الواجب بالساقط

وهو: إسقاط دين ثابت في ذمة شخص، وجعله ثمناً (رأس مال سلم) لموصوف في الذمة (مسلم فيه) مؤجلٍ معلومٍ(88)(89).

قال ابن القيم –رحمه الله-: (كما لو أسلم إليه في كُرِّ – مكيال لأهل العراق- حنطة بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه دين وسقط عنه دين غيره) (90).

وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم –رحمه الله-: (بأن يكون لزيد على عمرو دراهم مثلاً فيجعلها رأس مال سلم في طعام ونحوه) (91).

وهذا جائز -أيضاً- على الصحيح، لكن بشروط – كما سيأتي – لأنه لا دليل على المنع، والأصل حل البيع، ولأن ما في الذمة مقبوض للمدين.

قال ابن القيم –رحمه الله-: (وقد حكي الإجماع(92) على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله شيخنا(93)، شيخ الإسلام ابن تيمية واختار جوازه(94)، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ- بيع الواجب بالواجب- فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهي عنه اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة) (95).

ثم قال رحمه الله: (وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته، والآخر يحصل على الربح- وذلك في بيع العين بالدين- جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها بها ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دين بدين فلم ينهه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز(96).

وقال رحمه الله: (لا إجماع معلوم في المسألة، وإن كان قد حكي، فإن المانع من جوازها رأى أنها من باب بيع الدين بالدين، والمجوز له يقول: ليس عن الشرع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين، وغاية ما ورد فيه حديث، وفيه ما فيه (أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ(97)، والكالئ المؤخر، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شغل الذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به شيئاً في ذمته فقد سقط الدين من ذمته، وخلفه دين آخر واجب، فهذا كبيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة(98).

وقد اشترط شيخ الإسلام ابن تيمية(99)، وتلميذه العلامة ابن القيم(100) – رحمهما الله- لجواز مثل ذلك: ألا يربح فيه، وألا يباع بما لا يباع به نسيئة.

أما المذهب: فلا يجوز ذلك – وقد حكي إجماعاً(101) – لأنه بيع دين بدين(102) ويجاب عن ذلك بما تقدم من أن بيع الدين بالدين المحرم هو بيع الواجب بالواجب لاشتغال الذمتين فيه بغير منفعة، أما هنا في بيع الواجب بالساقط فقد أفرغها من دين وشغلها بغيره، فانتقلت من شاغل إلى شاغل، ولا إجماع في المسألة، ولا نص، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض، فهذا لا يجوز بالاتفاق) (103).

وقال رحمه الله: (فهذا الذي لا يجوز بالإجماع، والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب، كالسلف المؤجل من الطرفين(104).

قال ابن القيم –رحمه الله-: (فهذا هو الممنوع بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شغل الذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به شيئاً في ذمته فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب، فهذا كبيع الساقط بالواجب(105).

فإن قيل: إن هذا سوف يتخذ حيلة على قلب الدين المحرم(106).

فالجواب: إن جواز ذلك مشروط بألا يربح فيه – كما تقدم- وبهذا يزول هذا الإشكال. فإن قيل: إن لشيخ الإسلام(107)، وتلميذه ابن القيم –رحمهما الله- كلاماً قد يشكل على اختيارهما في هذه المسألة(108)، وهو قولهما: لا يجوز أن يجعل المسلم فيه (دين السلم)- سلماً وثمناً لمسلم فيه آخر.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧٧٢