الاعتراض على هذا الدليل:
أن هذا الأثر يحمل على أنه في كل مرة يتم الشراء يجب على المشتري ثمن ما يأخذ، ويكون وقت تسليم الثمن عند العطاء، فيكون هناك عقد بينهما في كل مرة يأخذ المشتري من البائع شيئاً، وعلى ذلك لا يكون هناك بيع دين بدين، بل هو عقد متجدد، ويترتب على ذلك أنه لا يلزم أحداً منهما التمادي على هذا الفعل بل له أن يمتنع متى ما شاء عن هذا البيع(24).
الإجابة عن هذا الاعتراض:
ما ذكر في الاعتراض خلاف ما يظهر من فعل أهل المدينة، بل الظاهر أنهم كانوا يعقدون العقد ويتسامحون في هذا التأخير للبدلين، ولهذا صرّح سالم أنهم لم يكونوا يرون ذلك من قبيل بيع الدين بالدين.
الترجيح:
الظاهر ـ والله أعلم بالصواب ـ أن الراجح هو قول المالكية؛ لأن النهي عن بيع الكالئ بالكالئ مردّه إلى الإجماع، وأما الحديث فلم يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى لله عليه وسلم - وعلى ذلك فأي صورة يتخلف عنها الإجماع فالأصل فيها الجواز إذا خلت من محظورين:
(1) الربا.
(2) الغرر.
وهذه الصورة لا يوجد فيها ربا ولا غرر، ولم يثبت فيها إجماع، فتبقى على الأصل وهو الإباحة، والله أعلم.
وعلى ذلك فإذا كان عقد التوريد بين تاجر وبين مصنع ينتج سلعة من السلع، وبعد العقد تم توريد هذه السلعة للتاجر وتم الاتفاق على قدر (كمية) السلع الموردة، وتم الاتفاق على موعد سداد الثمن، وكان تحصيل ثمن هذه السلع مأموناً في الأحوال المعتادة، كأن يكون التاجر صاحب مكانة اقتصادية بحيث يستطيع تصريف هذه السلع وردّ ثمنها، أو كان التاجر يتعامل مع الدولة والدولة لم يعهد عنها جحد لحقوق التجار، أقول إذا توفرت تلك الشروط فما المانع من القول بصحة عقد التوريد؟
في رأيي المتواضع لا يوجد مانع من ذلك، خاصة وأن مصالح الناس متعلقة بهذه العقود، والله أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد.
(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(1) القرار لم يكن بالأغلبية كما هو واضح من مناقشات اِلأعضاء، كما أن الموضوع ـ على أهميته ـ لم يأخذ حقه من البحث والمناقشة، وليت أن مجمع الفقه يذكر في قراراته كلها هل صدر القرار بالإجماع أم بالأغلبية؟ مع إدراج الرأي المخالف ـ إن وجد ـ كما يفعل المجمع الفقهي التابع للرابطة و هيئة كبار العلماء في السعودية.
(2) انظر: البحر الرائق (5/279) وحاشية ابن عابدين (4/12) ودرر الحكام لعلي حيدر (شرح م205)(1/157)
(3) تحفة المحتاج (4/217) ونهاية المحتاج (3/375) وحاشية الجمل (3/9) وحاشية البجيرمي على المنهج (2/168)
(4) المقاييس في اللغة مادة (جر) (1/413) والصحاح مادة (جرر) (2/612) ولسان العرب (2/242) والقاموس (464)
(5) القاموس المحيط (464)
(6) مواهب الجليل (6/517) ومنح الجليل (3/36)
(7) النكت على المحرر (1/300) وأعلام الموقعين (4/7)
(8) البرقيات لأحمد تيمور باشا (75)، وانظر: القاموس (وجب)(180)
(9) انظر: البحر الرائق (5/279) والموطأ مع شرح الباجي(5/15) والمجموع (9/163ـ164) والنكت على المحرر(1/300)
(10) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (9/43)
(11) المبسوط (12/127) وبدائع الصنائع(4/343و397و486) والهداية مع البناية (8/353)
(12) مواهب الجليل (6/517) منح الجليل (3/36)
(13) المهذب مع المجموع (9/399ـ400) وتحفة المحتاج (5/4) ونهاية المحتاج (4/184)
(14) انظر: الشرح الكبير والإنصاف (12/105)كشاف القناع (3/265) ومطالب أولي النهى (3/171)
(15) العطاء هو: الذي يعطيه الإمام من بيت المال لمستحقه. تسهيل منح الجليل (3/36)
(16) مواهب الجليل (6/516ـ517) ومنح الجليل (3/35ـ36) وشرح الخرشي مع حاشية العدوي عليه (5/223) والشرح الصغير مع حاشية الصاوي (3/220ـ221)
(17) انظر: الشرح الكبير والإنصاف (11/102ـ103) والمبدع (4/27) والإنصاف (3/163) وقولهم يحتاج مزيد تأمل وتحرير.