وهي: أن يتفقا على أن يأخذ المشتري من البائع كل يوم كيس أرز بمائة ريال ـ مثلاًـ، ويتفرقان من دون قبض الثمن.
وقد اختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن هذا البيع لا يجوز، وهو قول الحنفية(11) ، وقول للإمام مالك (12) ، وقول الشافعية (13)، والحنابلة(14) ، وهذا بناء على رأيهم في مسألة بيع الدين بالدين.
القول الثاني: أن هذا البيع مما يتساهل فيه، إذا كانت المعاملة من دائم العمل كالخباز واللحام، بشروط:
الشرط الأول: أن يشرع في أخذ ما أسلم فيه، على أنهم تسامحوا في ذلك إلى عشرة أيام، وبعضهم ذكر أنه يتسامح فيما دون نصف شهر.
الشرط الثاني: أن يكون أصل هذا المبيع عند البائع.
الشرط الثالث: أن يكون ما يأخذه المشتري مقدّراً، ويسمي ما يأخذ منه في كل مرة، فإن حدد مقدار ما يأخذه كل يوم وثمنه ولكنه لم يحدد مقدار جملة المبيع صح البيع ولكن العقد ينقلب إلى عقد جائز لا لازم.
الشرط الرابع: أن يكون الثمن إلى أجل معلوم.
الشرط الخامس: أن يكون تحصيل الثمن مأموناً، وذلك كأن يواعده إلى خروج العطاء(15) المأمون، وكذلك إذا واعده إلى نهاية الشهر، وقبض الرواتب وكانت الجهة التي يعمل عندها المشتري مأمونة من عادتها ألا تتأخر في دفع الرواتب.
وهذه الصورة وإن كانت قريبة من السلم، إلا أنهم لم يعدوها سلماً محضاً، ولهذا أجازوا تأخير رأس المال، ولكن لا بد أن يكون ذلك من دائم العمل كالخباز، أما إن لم يكن من دائم العمل فهي سلم يشترط لها ما يشترط للسلم من شروط، كما أنهم لم يجعلوا لها أحكام شراء الأعيان ولهذا جاز عندهم أن يتأخر قبض جميع المبيع إذا شرع في قبض أوله، وهذا القول هو المذهب عند المالكية (16).
وهو مذهب الحنابلة في المبيع الموصوف المعيّن، ورواية عند الحنابلة في المبيع الموصوف غير المعيّن(17).
قال في الشرح الكبير:( والبيع بالصفة نوعان: أحدهما: بيع عين معينة، مثل أن يقول: بعتك عبدي التركي... ويجوز التفرق قبل قبض ثمنه وقبضه كبيع الحاضر، الثاني: بيع موصوف غير معين، مثل أن يقول بعتك عبداً تركياً ثم يستقصي صفات السلم... ولا يجوز التفرق عن مجلس العقد قبل قبض المبيع أو قبض ثمنه... وقال القاضي: يجوز التفرق فيه قبل القبض؛ لأنه بيع حال، فجاز التفرق فيه قبل القبض، كبيع العين).
أدلة الأقوال:
يستدل لأصحاب القول الأول بالأدلة الدالة على حرمة بيع الدين بالدين.
ومنها: حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ(18).
ويعترض على هذا الدليل بأنه: لم يصح في هذا الباب حديث.
ومنها: إجماع الأمة على حرمة بيع الدين بالدين، وقد حكى ذلك الإمام أحمد(19).
ويعترض على هذا الدليل: بأن الإجماع لم يقع على كل صور بيع الدين بالدين بل وقع على بعض الصور دون بعض(20)، وحينئذٍ فإن التحريم يثبت في الصور التي وقع الاتفاق عليها دون التي وقع الخلاف فيها، وهذه المسألة مما وقع فيه الخلاف فلا يثبت لها التحريم.
وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنه: يستصحب حكم الإجماع في موضع الخلاف، فإذا كان بيع الدين بالدين ابتداء وقع الإجماع على تحريمه، فإننا نستصحب هذا الحكم في موضع الخلاف.
ولكن يقال في الإجابة عن هذا الإيراد بأن: الصحيح من أقوال الأصوليين أنه لا يصح استصحاب حكم الإجماع في موضع الخلاف؛ لأن موضع الخلاف لم يثبت فيه إجماع، والأصل فيه الجواز، فيستصحب هذا الجواز حتى يأتي دليل يمنع من الجواز، ولا دليل يدلّ على التحريم فيبقى الأصل وهو الجواز(21).
دليل القول الثاني:
أجاز أصحاب هذا القول هذه الصورة استحساناً، وإن كان القياس يخالفه واستندوا في هذا الاستحسان على ما كان عليه عمل أهل المدينة، ففي المدونة (22)، :(.. عن سالم بن عبد الله قال: كنا نبتاع اللحم كذا وكذا رطلاً بدينار، يأخذ كل يوم كذا وكذا، والثمن إلى العطاء، فلم ير أحد ذلك ديناً بدين، ولم يروا بذلك بأساً)(23).