وهذا مذهب الجمهور من المالكية(38)، والشافعية(39)، والحنابلة في الرواية المشهورة (40)والظاهرية. (41).
استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
الدليل الأول :
ما روى فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ، وهي من المغانم تباع ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن))(42).
ووجه الدلالة منه : (( أنه أمر بنزع الخرز وإفراد الذهب ليمكن بيعه ، ولو جاز بيعه مع الخرز لما احتاج إلى وزنه ، ثم قال : ((الذهب بالذهب وزناً بوزن)) فنبه بذلك إلى أن علة إفراده بالبيع أن يتحقق فيه الوزن بالوزن)) (43).
نوقش هذا الاستدلال من جهتين :
الأولى : من حيث ثبوته :
فإن الحديث مضطرب ، فقد روي بألفاظٍ مختلفة (44)، ، ففي بعض الروايات أنه اشترى قلادة ((فيها خرز وذهب))(45).
وفي بعضها ((ذهب وجوهر)) (46). ، وفي بعض الروايات أنها بيعت ((باثني عشر ديناراً)) (47)، وفي بعضها (( بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير)) (48).
أجيب :
(( بأن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفاً بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل ، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب ، وحينئذٍ فينبغي الترجيح بين رواتها ، وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم ، وتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة )) (49).
الثانية : من حيث دلالته :
فإن الحديث لا دلالة فيه على المقصود لأمرين :
الأول : أنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم رده لأن ذهب القلادة أكثر من ذهب الثمن بدليل ما جاء في بعض روايات مسلم : ((أنه اشتراها باثني عشر ديناراً ، قال : ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً))(50).
الثاني : ويحتمل أنه رده لأن هذه القلادة لا يعلم مقدار ذهبها أهو مثل وزن جميع الثمن أو أقل من ذلك أو أكثر ، ومن شرط صحة البيع التحقق من أن الثمن أكثر من الذهب (51).
أجيب :
بأن ما ذكر من احتمالات غير وارد لثلاثة أمور :
1. (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الجواب من غير سؤال فدل على استواءالحالين)) (52).
2. أنه جاء في رواية أبي داود أن المشتري قال : (( إنما أردت الحجارة )) فدل على أن الذهب يسير دخل على وجه التبع (53).
3. أن فضالة بن عبيد رضي الله عنه وهو صاحب القصة قد حمل النهي على العموم ، فقد سئل عن شراء قلادة فيها ذهب وورق وجوهر ، فقال : انزع ذهبها فاجعله في كفة ، واجعل ذهبك في كفة ، ثم لا تأخذه إلا مثلاً بمثل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يأخذن إلا مثلاً بمثل))(54).
الدليل الثاني :
عموم الأحاديث في النهي عن بيع الربوي بجنسه إلا مثلاً بمثل ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام : (( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ))
ووجه الدلالة : أن وجود شيء مع الربوي يمنع من تحقق المساواة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح البيع إلا بفصل الربوي وحده .
ويناقش :
بأن شرط المساواة متحقق فيما إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره ، بأن يجعل الربوي المخلوط بما يقابله من المفرد ، وما فضل من المفرد بالخِلط الذي مع الربوي .
الدليل الثالث :
أن العقد إذا جمع عوضين مختلفي القيمة ، كان الثمن مقسطاً على قيمتهما على الشيوع ، لا على أعدادهما .
يوضح ذلك أصلان :
أحدهما : أن من اشترى شقصاً (55).من دارٍ وعبداً بألف فاستحق الشقص بالشفعة كان مأخوذاً بحصته من الثمن اعتباراً بقيمته وقيمة العبد ولا يكون مأخوذاً بنصف الثمن .