ولفظ ابن أبي شيبة: عن داود بن أبي عاصم أنه باع من أخته بيعاً إلى أجل، ثم أمَرَتْه أن يبيعه، فباعه. قال: فسألتُ سعيد بن المسيب فقال: (أبصر ألا يكون هو أنت؟) قلت: أنا هو. قال: (ذلك الربا، فلا تأخذ منها إلا رأسمالك) (3).
وهذا الأثر يتضمن عدداً من الدلالات المهمة:
1. إن هذه المعاملة التي تمت بين داود وأخته كانت من التورق المنظم، لأن داود هو الذي باع السلعة بأجل ثم تولى بيعها نقداً نيابة عن أخته لطرف ثالث. ويدل على أن البيع النقدي كان لطرف ثالث أمور:
• التصريح بأنها (أمَرَتْه أن يبيعه)، وهذا صريح أنه نائب عنها في البيع، لا أنه هو المشتري.
• قوله: (أنا أبيعه لكِ). وهذا معناه أنه يبيع نيابة عنها، لا أنه يشتري منها، وهذا معروف عند السلف، إذا قال: أبيعه لك، أي أبيعه لمصلحتك نيابة عنك (4). ولو كان هو المشتري لقال: أنا أبتاعه منك.
• قولها: (انظر لي من يبتاعه مني)، وهذا يدل على أنها طلبت البحث عن المشتري بعد شرائها من أخيها بأجل، ولو كان المقصود أن يشتريها هو نفسه لما كان هناك حاجة للبحث عن مشتر.
• أن عبد الرزاق وابن أبي شيبة ذكرا هذا الأثر في باب آخر خلاف أبواب العينة الثنائية (5).
فهذه المعاملة من باب التورق المنظم وليست من العينة الثنائية التي ترجع فيها السلعة للبائع.
2. إن فتوى سعيد بن المسيب رحمه الله كانت بتحريم هذه المعاملة لأنها ربا، بل وصفها بأنها (الربا محضاً)، وأن داود ليس له من أخته إلا رأسماله الذي يعادل الثمن النقدي، وتبطل الزيادة فوق ذلك.
3. إن فتواه رحمه الله كانت حاسمة وواضحة، وهذا يشعر أن هذه المعاملة لم تكن جديدة على سعيد، بل وقف عليها وعلم حكمها قبل ذلك. وإذا كان سعيد بن المسيب رحمه الله لقي جمعاً كبيراً من الصحابة، وكان صهر أبي هريرة رضي الله عنه، وكان مقيماً بالمدينة النبوية وفيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أعلم الناس بأقضية النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فيَبعد والحال كذلك أن تكون هذه الفتوى، بهذا الجزم، محض اجتهاد منه رحمه الله، بل الأقرب أن له فيها سلفا يتصل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
4. أن أخت داود سمّت معاملتها عينة، لأنها قالت: أريد أن تشتري متاعاً عينة، مع أن مقصودها ليس العينة الثنائية وإنما التورق. فدل على أن التورق كان يسمى عينة. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سليمان التيمي: (أن إياس بن معاوية كان يرى التورق يعني العينة) (6). ففسر التورق بأنه عينة. وسيأتي إن شاء الله ما يؤكد ذلك عند الفقهاء.
2. الحسن بن يسار البصري (110هـ)
من سادات التابعين علماً وعملاً، وفقيه البصرة ومفتيها. قال أبو قتادة: ما رأيت أحداً أشبه برأي عمر بن الخطاب منه. وقال قتادة: ما جمعتُ علم الحسن إلى أحد من العلماء إلا وجدتُ له فضلاً عليه، غير أنه إذا أشكل عليه شئ كتب فيه إلى سعيد بن المسيب (7).
روى عبد الرزاق عن أبي كعب، عبد ربه بن عبيد الأزدي، أنه قال: قلت للحسن: إني أبيع الحرير، فتبتاع مني المرأة والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق. فقال الحسن: (لا تبعه، ولا تشتره، ولا ترشده، إلا أن ترشده إلى السوق).
وروى أيضاً عن رزيق بن أبي سلمى أنه قال: سألت الحسن عن بيع الحرير، فقال: (بع واتق الله). قال: يبيعه لنفسه؟ قال: (إذا بعته فلا تدل عليه أحداً، ولا تكون منه في شئ. ادفع إليه متاعه ودعه) (8).
وهذا الأثر يتضمن عدداً من الدلالات:
1. قوله: إني أبيع الحرير، كان الغالب آنذاك هو استعمال الحرير للحصول على النقد من خلال شرائه بأجل ثم بيعه نقداً، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه في العينة: (دراهم بدراهم وبينهما حريرة.) وتسمى العينة أحياناً: (بيع الحريرة) (9)، وسيأتي ما يؤيد ذلك من كلام الفقهاء. ويفهم أن أبا كعب ربما باع بأجل لمن يريدون العينة، ولهذا قال الحسن في الرواية الثانية: (بع واتق الله) أي لكثرة ما يلابس بيع الحرير من الوقوع في العينة بصورها المختلفة.