ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت :قالت هند أم معاوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح فهل علي جناح أن آخذ من ماله سراً قال:"خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف"(50).قال الحافظ: "وفيه _ أي في الحديث_ اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع ،وقال القرطبي: فيه اعتبار العرف في الشرعيات "
قال ابن القيم: "وعلى هذا أبداً تجيء الفتاوى في طول الأيام ،فمهما تجد في العرف ،فاعتبره ،ومهما سقط ،فألفه ،ولا تجهد على النقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل يستفتيك ،فلا تجبه على عرف بلدك ، وسله عن عرف بلده فأجبه عليه"(51).
أمثلة تطبيقية :
-إذا تنازع الزوجان في متاع البيت،فإن لكل منهما ما جرت عليه العادة باستعماله(52)
-سقوط نفقة الزوجة إذا أكلت مع زوجها بجريان عرف الناس على ذلك، واكتفائهم به(53)
-تقدير اللقطة التي لا يجب تعريفها .
ولتغير الفتوى بتغير العرف مجال للتيسير مثل أن كل ما تعارف الناس على أنه بيع،فهو بيع ،ولا يلزم ما قرره الفقهاء المتقدمون من صيغ الإيجاب والقبول، وكذا سائر العقود، وإنما قرروا ذلك على أعرافهم(54)
5- التطور :
المراد ما جد للناس من وسائل وآلات لم تكن في العصور السابقة ،وبناء على هذا الجديد، فإن الفتوى تغيرت على وفقه، ولم يجمد الحكم الشرعي على الوسائل التي لم ترد لذاتها ،ولم ينط الحكم بها دون غيرها .
مثال ذلك : القصاص في قتل الجاني ،فقد اختلف الفقهاء في كيفية القصاص على مذهبين: الأول :مالك ،والشافعي، ورواية عن أحمد أن القصاص يكون بالصفة التي وقع بها القتل،والثاني :أبو حنيفة، ورواية عن أحمد أنه لا يكون إلا بالسيف ، ولكل مذهب دليله (55)،وليس المقصود تحرير المسألة، وإنما التمثيل لتغير الفتوى نتيجة للتطور ،فعلى القول الثاني، فإن القصاص بالوسائل الحديثة التي يكون فيها تسريعاً في إحداث الوفاة ،فإنها تستخدم عملاً بالأمر بإحسان القتلة .
6- المصلحة:
إن المتتبع لمذاهب الفقهاء يجد أنهم يتفقون عملياً على اعتماد المصلحة، وإن اختلفوا نظرياً (56).
والمراد بالمصلحة : "المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها (57).
،والمصلحة باعتبار الحكم الشرعي على ثلاثة أقسام:
أ-المصالح المعتبرة شرعاً : وهي التي تظافرت الأدلة على رعايتها، فهي حجة صحيحة لا خلاف بين أهل العلم في إعمالها, وذلك كأن ينص الشارع على حكم، ويجعل مناط الحكم تحقيق مصلحة ما,أو دفع مفسدة ما .
فإنه إذا وقعت حادثة أخرى تتحقق فيها هذه المصلحة أو تندفع بها هذه المفسدة وجب إعطاؤها نفس الحكم للمنصوص(58).
مثاله :أن تعلم الرمي فيه مصلحة إرهاب أعداء الله كما نصت عليه آية الأنفال،و التصنيع العسكري يأخذ حكمه لأن فيه المصلحة نفسها .
ب- المصالح الملغاة شرعاً :وهي المصالح التي شهد الشارع بردها وأقام الأدلة على إلغائها ،وهذا النوع من المصالح لا سبيل لقبوله، ولا خلاف في إهماله عند الجميع(59).
مثال ذلك :توهم مصلحة التخفيف عن النفس من مرض أو ألم شديد بالانتحار لأن هذه المصلحة رفضها الشارع وردها بقوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم ... ) (النساء 11)
ج-المصالح المرسلة: وهي التي لم يقم دليل من الشرع على اعتبارها، ولا على إلغائها وسميت مرسلة لأن الشارع أرسلها فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء (60).
ودليل اعتبار المصلحة المرسلة عمل الصحابة رضي الله عنهم حيث حدث في زمانهم ما لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وجدت أمور، فضربوا النقود، وشادوا السجون، واتخذوا الدواوين، وجمعوا المصحف إلى غير ذلك مما يطول حصره، وقد أجمع الصحابة على قبولها بما لا يدع ريباً ولا شكاً(61).