مرض الرأسمالية الأمريكية
إن هذا السقوط المريع والمتلاحق له عدة دلالات، بعضها اقتصادي ولكن الكثير منها ثقافي وأخلاقي؛ لأن نظام الرأسمالية ليس مبنيا على مجرد معادلات اقتصادية بل على فلسفة معينة تعطيه ماهيته ، لقد جاء إفلاس شركة "انرون" نتيجة عملية اختلاس كبيرة قدرت بأزيد من 20 مليار دولار ، بينما انهارت شركة "وورلدكوم" بسبب عملية تزوير في الحسابات لفائدة بعض المديرين قدر مبلغها بحوالي 38 مليار دولار، أي أن وراء الانهيار قضية اسمها (الفساد المالي)، وهي ظاهرة أصبحت جزءًا من المنظومة الرأسمالية التي تنبني على تقديس الربح واقتناص فرص الحظ بأي ثمن، وعلى الجشع والسمسرة .
لقد أكدت السنوات الأخيرة أن مسلسل الفساد في الولايات المتحدة الأمريكية تحول إلى مكون عضوي في الاقتصاد والسياسة الأمريكيين . وتؤكد مختلف التقارير حول أحوال الاقتصاد الأمريكي ما بعد حوادث 11 سبتمبر 2001 أنه يتجه نحو الانحدار ، ما يدل على أن تصعيد العدوان الأمريكي عبر العالم بعد تلك الحوادث، بشكل لم يسبق له مثيل، يرمي إلى تصدير الأزمات الداخلية وإشغال الرأي العام عن واقع الانهيارات الاقتصادية والاختلاسات المالية، بمثل ما يكشف عن التقاء المصالح بين الرئاسة الأمريكية وكبريات الشركات المتنفذة في التوسع الخارجي والبحث عن منافذ جديدة للثروة .
ليس هذا الكلام من عندي، لكنه رؤية تحليلية لما صدر في المدة الأخيرة عن أكثر من جهة داخل الولايات المتحدة نفسها، ويؤكد أن حلقة " الأغنياء الجدد " بعد تفجيرات 11 سبتمبر بدأت تضيق أكثر، لفائدة بوش ذي الماضي التجاري الغامض ومعاونيه، ومجموعة من الشركات الكبرى ، فقد أوضح استطلاع للرأي أجرته " نيويورك تايمز " و " سي بي إس نيوز" في شهر يوليو الماضي وجود قلق لدى الأمريكيين من الفضائح المالية الضخمة التي يتكون أبطالها من مديري الشركات ، وعَبَّر أكثر من نصف المستجوبين عن اعتقادهم بأن الإدارة الأمريكية لها مصلحة في حماية الشركات الكبرى ، أكثر من حماية مصالح المواطنين الأمريكيين، وقال ثلثا الذين شاركوا في الاستجواب أن الشركات الكبرى تملك نفوذًا قويًا على إدارة جورج بوش الابن والحزب الجمهوري، وخلص الاستطلاع إلى أن الأمريكيين يعدون الوضع الاقتصادي الحالي الأسوأ منذ عام 1994 ، أثناء عهد (بيل كلينتون) الذي أزكمت رائحة فضائحه الأخلاقية أنوف الأمريكيين .
هذه النتائج التي كشفها استطلاع أجري في أوساط المواطنين الأمريكيين العاديين ، كشف مثيلا لها تقرير متخصص أعده 190خبيرًا ومسؤولاً حكوميًا ، وظهر في المدة نفسها التي ظهرت فيها نتائج الاستجواب المذكور ، أي شهر يوليو الماضي .
التقرير أعده أحد مراكز البحوث التابعة للكونجرس الأمريكي ، وورد فيه أن معدل الفساد في عهد الإدارة الأمريكية الحالية ارتفع بوثيرة غير مسبوقة بلغت 35% ، وأن الأشهر القليلة الماضية شهدت تقديم 2130 حالة فساد إلى المحاكم والجهات المختصة بالنظر في حالات الفساد الحكومي، وجرى التحقيق مع مسؤولي ومديري 64 شركة اقتصادية أمريكية ، وأكثر من مئتي مسؤول عن مؤسسة حكومية أمريكية ، وكان موضوع التحقيقات الحصول على رشاوي وأموال، وتيسير الحصول على خدمات مقابل التنازل عن تطبيق القوانين.
التقرير إياه يتوقع حدوث انهيار اقتصادي في أمريكا خلال العشر سنوات المقبلة ، ويلاحظ ازدياد الفارق بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاديات الأخرى، بحيث وصل هذا الفارق (نسبة 1 إلى 4) لصالح الاقتصاد الأوروبي ، و (1 إلى 2) لصالح الاقتصاد الياباني ، ويخلص التقرير إلى خلاصة مدوية : الاقتصاد الأمريكي سيدخل أزمة فعلية تنتهي بتآكله ! .
نهاية التفرد الأمريكي
بعض المحللين الغربيين - من طينة فوكوياما نفسه- ينظرون إلى الأزمة الحالية في الاقتصاد الأمريكي بوصفها واحدة من الأزمات الدورية الطبيعية في الاقتصاد الرأسمالي الحديث الذي ما يلبث أن ينهض ، ومن ثم فهي أزمة طبيعية سيتم تجاوزها .