فمن أنواع الهداية الظاهرة في هذه الآية أن هدايتهم الأولى كانت تكلفاً وتصبراً ، ثم تحولت إلى جبلة وعادة وكلفةً بغير تكلف فتلقنوا هذه الأعمال ، ولهذا كان قيامهم الليل أول الأمر في عناء وجهد ، ثم تحول إلى عادة مألوفة لا يصبرون بدونها ، ولا يجدون لذتهم إلا فيها ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى :] يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [ فخاطبهم بالإيمان ، ودعاهم إلى أن يتقوا الله وأن يؤمنوا برسوله ، وهذه هدايات ، فإذا فعلوا ذلك قال :] يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به [ فهذا النور هو ثمرة الهداية ثمرة التقوى ثمرة الإيمان ثمرة العمل الصالح أن يكون لهم نور يمشون فيه في الدنيا فيفرقون به بين الخطأ والصواب والحق والباطل بل يفرقون به بين الصوابات المتعددة أيها أفضل وبين الأنواع التي كلها خير أيها أخير ، ولهذا قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : " ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر ، إنما الفقيه كل الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين " وهنا قال : ] ويجعل لكم نوراً تمشون به [ وفي الآية الأخرى قال : ] إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [ فهذا الفرقان يكون في قلب الإنسان وعقله ، وفي خبرته وعلمه فيفرق بين الأشياء ويختار أيها أفضل وأكمل وأنبل مما يقصر عنه فهم غيره.
الهداية الرابعة : الهداية إلى مجاورته سبحانه وتعالى في جنات عدن في جنات النعيم ، قال الله عز وجل : ] ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله [ فتمام الهداية إنما يتحقق بمصير الناس إلى جنات النعيم في جوار الرب الرحيم فهذه الهدايات الأربع يطلبها العبد يطلبها في دعائه .
وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى قوله ] اهدنا الصراط المستقيم [ .
فقال علي بن أبي طالب وأبي بن كعب رضي الله عنهما ] اهدنا [ معناها ثبتنا على الصراط المستقيم ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أرشدنا ، وروي عنه أيضاً أنه قال : وفقنا وألهمنا ، فهناك الثبات وهناك هداية الإرشاد وهناك هداية التوفيق والإلهام .
كما اختلفت عبارات المفسرين في الصراط المستقيم فقيل : هوكتاب الله تعالى ، وقيل : الإسلام ، كما قاله ابن مسعود والحسن وأبو العالية وغيرهم ، وقيل : طريق الجنة ، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما .
والصواب أن ذلك كله حق ، وههنا يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله (13/382) : " فكل من المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته وكل ذلك حق بمنزلة ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته فيقول بعضهم : ] الصراط المستقيم [ كتاب الله أو اتباع كتاب الله ويقول الآخر : ] الصراط المستقيم [ هو الإسلام أو دين الإسلام ويقول الآخر : ] الصراط المستقيم [ هو السنة والجماعة ويقول الآخر : ] الصراط المستقيم [ طريق العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور أو متابعة الكتاب والسنة أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الأسماء والعبارات ، ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته " .
ولهذا نقول : إن الآية تدل على معانٍ كلها حق.
المعنى الأول منها : ثبتنا على الصراط المستقيم ، ولهذا روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ) ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) .
وروى الترمذي وغيره عن أنس وجماعة من الصحابة أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) فقلت : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال : ( نعم . إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء ) فالصراط المستقيم هنا هو الإسلام ، فلا يبتغ المسلم ديناً سواه ، وهو القرآن فلا يبتغ كتاباً غيره ، وهو الإيمان فلا يختار الكفر على الإيمان طائعاً راضياً، وهو السنة فلا يصرف قلبه إلى بدعة أو مخالفة أو انحراف .