تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبكل حال، فالأرجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو أن العامي إذا اختلفت عليه الفتوى، فإنه يجتهد حسب تمييزه، ويتقي الله حسب استطاعته، فإن ترجح له قول أحد المفتين لكونه الأعلم الأورع، أخذ بفتواه. فإن استويا في العلم والورع، أو شق عليه معرفة الأعلم منهما، ولكن ما استدل به أحدهما أقوى في الحجة وظهور الدليل مما استدل به الآخر، أخذ به، أو كانت نفسه تسكن لفتيا أحدهما، ويطمئن لها قلبه، دون فتيا الآخر، أخذ بهذا المرجح، وكذا لو ترجح له قول أحدهما، لكثرة من أفتى به من أهل العلم، أخذ به.. وهكذا. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الإعلام (6/137-138) موجهاً هذا القول (وقد نصب الله سبحانه وتعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله -سبحانه وتعالى- بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه، بحيث لا يتميز هذا من هذا، ولابد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثرة له، ولابد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة..." أهـ.

وبهذا يظهر لك ضعف قول من قال: إنه يخيَّر بين القولين، وقد أنكر هذا القول ابن القيم في الإعلام (3/570) فقال: "وإن كلفنا بتقليد البعض، وكان جعل ذلك إلى تشهينا واختيارنا، صار دين الله تبعاً لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا. وهو عين المحال" أهـ. وكذا أنكره الإمام الشاطبي في الموافقات (5/94-97) بكلام نفيس، أسوقه لأهميته، حيث قال ما نصه: "....وذلك أن المتخير بالقولين -مثلاً- بمجرد موافقة الغرض، إما أن يكون حاكماً به، أو مفتياً، أو مقلداً عاملاً بما أفتاه به المفتي" فذكر حالة الحاكم به، ثم المفتي، ثم العامي -وهو المقصود- فقال: ( وأما إن كان عامياً، فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع، ولأن العامي إنما حكَّم العالم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب... وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات، والهوى لا يعدوهما، فإذا عرض العامي نازلته على المفتي، فهو قائل له: (أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق) فلا يمكن -والحال هذه- أن يقول له: (في مسألتك قولان؛ فاختر لشهوتك أيهما شئت!) فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع. ولا ينجيه من هذا أن يقول (ما فعلت إلا بقول عالم) لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس، وقاية عن القال والقيل، وحيلة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمي في عماية، وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة..." أهـ.

ثم تكلم -رحمه الله- عن تتبع الرخص، وأنكر هذا بكلام نفيس، وكأنه يشير بذلك إلى أن القول بالتخيير هو من تتبع الرخص، أو أنه كالبوابة له.

ومثل ذلك: القول بالأخذ بأخف القولين، لأنه الأيسر... استدلالاً بحديث: "ما خيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما..." أو بنحو هذا من الأدلة، فليس الاستدلال بهذا الحديث أو نحوه بأولى من الاستدلال بحديث الصحيحين: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام..." للأخذ بأغلظ القولين.

وكلا الحديثين لا ينهض الاستدلال بهما لذلك، فلا الأول لجواز الأخذ بالأيسر، ولا الثاني لوجوب الأخذ بالأحوط، فغاية ما في الأول الندب إلى الأخذ بالأيسر فيما ثبتت إباحته، بخلاف مسألتنا، فهي فيما اختلف فيه، وغاية ما في الثاني كراهة الوقوع في الشبهات، وندب المسلم الورع إلى الابتعاد عنها، لا غير.

لهذا، وغيره فقد ردَّ الإمام الشاطبي هذا القول، وهو الأخذ بأخف القولين، وأجاب عنه بما نصه: "وهو -أي الأخذ بالأيسر- أيضاً مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة، ولذلك سميت تكليفاً من الكلفة، وهي المشقة (قلت: لكنها مشقة معتادة) فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل، لزم ذلك في الطهارات، والصلوات، والزكوات، والحج، والجهاد، وغير ذلك، ولا يقف عند حد إلا إذا لم يبق على العبد تكليف، وهذا محال، فما أدى إليه مثله، فإن رفع الشريعة مع فرص وضعها محال......." أهـ والله تعالى أعلم.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦٠٨