وقال في الطرق الحكمية(صـ350) : " ويمنع من جعل النقود متجراً ؛ فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها، ولا يتجر فيها "أهـ
وهاهو التاريخ يعيد نفسه، وكأن ابن القيم يعيش واقعنا الحاضر، أو كأنه ينظر إليه من ستر رقيق ! ولذا، فإنه يستحق شهادة دكتوراه فخرية في المال والاقتصاد، وإن كنت أشك في حفاوته بها لو كان حياً .
نعم,أعاد التاريخ نفسه؛لأننا اليوم نرى ونسمع كثيراًعن تذبذب أسعار العملات,وما نتج عنه من تضخم في النقود وضعف قوتها الشرائية, كما هو مشاهد في بعض بلاد الشرق والغرب، وهذا له أسبابه السياسية, والأمنية، والاقتصادية ومن أبرزها العبث بهذا النقد الذي استخدم في غير ما صنع له, وهذا ماحذر منه العلامة ابن القيم آنفاً, وألمح إليه الفقيه الشافعي أبو حامد الغزالي(ت505هـ) في إحياء علوم الدين(4/91) والفقيه الحنفي ابن عابدين(ت1252هـ) في مجموعة رسائله(صـ57) حيث قال:" رأينا الدراهم والدنانير ثمناً للأشياء، ولا تكون الأشياء ثمناً لها.. فليست النقود مقصودة لذاتها, بل وسيلة إلى المقصود"أهـ
وأصرح من هذا ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا, حيث قال في تفسير المنار(3/108):"وثم وجد أمر آخر لتحريم الربا من دون البيع، وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزاناً لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصوداً بالاستغلال, فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس, وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال "أهـ
وبهذا نقف على إحدى الحكم التي حرم لأجلها الشارع الربا، وهي أن المرابي يشتغل بالنقد عن المشاريع الإنتاجية، فيقل المعروض من السلع والخدمات, وبالتالي يزيد الطلب عليها, ومع كثرة النقد يقع التضخم، وهو ما عبر عنه بعض الاقتصاديين :( نقود كثيرة، تطارد سلعاً قليلة ) .
ومن هذا الوجه- وغيره- ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى المنع من المتاجرة بالعملات -لا بيعها وشراؤها للحاجة- ومن المضاربة بفروق الأسعار في سوق المال؛ ومن هؤلاء الفقهاء الدكتور محمد الشباني,كما في بحثيه( الربا والأدوات النقدية المعاصرة,والمضاربة بالأسهم والمشتبهات من المكاسب) وعلل ما ذهب إليه بأدلة, ومقاصد شرعية, جديرة بالنظر والتأمل، ومنها : أنه عد من المفاسد التي يؤدي إليها هذا النوع من التعامل، الضرر على الاقتصاد ككل؛ حيث يتوجه المال المدخر إلى المضاربة فيه، بحيث يصبح دولة بين المضاربين في الأسهم، يتحرك في دائرة واحدة لا يتعداها إلى غيرها ... الخ .
وقد أشار إلى هذا المحذور وما يؤدي إليه من كساد,الشيخ أبوحامد الغزالي في إحياء علوم الدين(4/45) حيث قال:" إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب ؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة الربا من تحصيل درهم زائد نقداً أو آجلاً خف عليه اكتساب المعيشة,فلا يكد ويتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات,والحرف, والصناعة, والإعمار"أهـ
وبنظرة خاطفة إلى واقعنا منذ أربعة أشهر أو أكثر، نجد أن أموالنا أصبحت تصب في فوهة السوق حين غلت القيمة السوقية لبعض الشركات غلاء غير مسبوق, واقتصرت المضاربة على فروق الأسعار بعيداً عن الواقع الاقتصادي للشركات المساهمة، فأصبحت السلع هي النقود في الحقيقة,حتى ظهرت مقدمات الكساد في سوق العقارات, والسيارات ,...الخ، ولمس كثير من الناس ارتفاع قيمة إيجار الدور والمنازل ؛ لقلة المعروض, وأصبح هذا حديث الناس، كل هذا في فترة زمنية محدودة ! فما الظن لو استمر الحال سنة أو أكثر !!