فهذا يدل أيضاً على أن التحايل على المحرمات تعجل عقوبته في الدنيا، وأنه أشد وأسوأ من الوقوع في المحرم بلا تحايل. ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله: "يتلاعبون بالله تلاعب الصبيان. لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي".
فإذا كان الربا سبباً للحرب على الله ورسوله، فما ظنك بالتحايل عليه، أليس أولى بالحرب والنكال المعجل في الدنيا قبل الآخرة؟
واليوم نشاهد ملء السمع والبصر تعاملات ألبست لباس الشرعية وأخرجت في صورة البيوع الجائزة، وهي في حقيقتها نقود حاضرة بنقود مؤجلة في الذمة أكثر منها. فهي في الصورة بيع وفي الحقيقة ربا النسيئة المحرم بالنص والإجماع. بل بلغ الأمر إلى حد الاحتيال على أسوأ أنواع الربا، وهو ربا الجاهلية، الذي نتيجته زيادة الدين مقابل تأخير الوفاء، أو "أنظرني أزدك." فلم يقتصر التحايل على الفائدة البسيطة، بل تجاوزه إلى الفائدة المركبة، التي تمنعها كثير من الأنظمة الوضعية ابتداء، ولا تقبل التحايل عليها بشكل من الأشكال، حتى قال بعض الغربيين: "إن المسلمين يتحايلون على دينهم بما لا يمكن أن نحتال به على قضاتنا." فإذا بلغ بنا الأمر إلى هذا المستوى، فما ظننا بالله؟ أننتظر من الله النصر والتأييد؟ أم نتخوف العقوبة والنكال والحرب في الدنيا قبل الآخرة؟
إن الله تعالى ليس بحاجة لنا حتى نقبل عليه بهذه الحيل والتلفيقات، ودين الله تعالى أعز من أن نتلاعب بأحكامه وشرائعه تلاعب الصبيان. فإذا أردنا لبلادنا السلم والأمن والرخاء، فلننبذ الخداع جانباً، ولنرجع إلى الله رجعة صادقة.
والله تعالى لا يسلط على قوم الخوف بعد الأمن، والهزيمة بعد النصر، إلا بذنوبهم. وليس بعد الأنبياء أكرم على الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لما أصيبوا يوم أحُد تساءلوا: من أين جاءت الهزيمة؟ فرد الله عليهم بقوله: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم). فالعلاج يبدأ من عندنا وأسبابه بأيدينا، فإن فرّطنا فلا نلومنّ إلا أنفسنا
===============
النقود: أثمان أم سلع؟
د. يوسف بن أحمد القاسم 26/3/1427
24/04/2006
قبل أكثر من ستة قرون، صرخ أحد علماء القرن الثامن الهجري صرخة اهتز لها جبل قاسيون بالشام، ووجد لها صدى في أنحائه، إلا أنها لم تجد لها صدى في بني قومه، فوقع ما لم يكن بالحسبان، وحل ما حذر منه عالم ذلك الزمان، ثم هاهو التاريخ يعيد نفسه، فحل بنا ما حل بهم !! فمن هو يا ترى ذلك الإمام ؟
وما هي تلك الصرخة التي اهتز لها قلمه، وعبر عنها بنانه ؟
وما هي نتيجة تجاهل تلك الصرخة ؟
وكيف أعاد التاريخ نفسه ؟
أما الإمام، فهو: العلامة ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) وأما الصرخة، فهي: إنكاره على بني قومه اتخاذهم النقود سلعاً، يتاجرون بها، ويعدونها للربح، فكانت النتيجة المؤسفة ؛ حيث عم الضرر، ووقع الظلم .هذا ملخص ما جرى، وأدع الحديث للإمام ابن القيم، فهو حي بيننا بكتبه, شاهد عدل بعلمه وفقهه,إذ يقول في كتابه إعلام الموقعين(3/401) : " الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض, فتفسد معاملات الناس, ويقع الخلف, ويشتد الضرر, كما رأيت من فساد معاملاتهم, والضرر اللاحق بهم، حين اتخذوا الفلوس سلعة تعد للربح, فعم الضرر, وحصل الظلم... فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوسل بها إلى السلع"أهـ