وأما البنك الأهلي فقد قرر في الاتفاقية أنه متى حل الدين فإنه سيجري عملية التورق من خلال التصرف الفضولي.
وفي كلا الحالتين: نجد أن البنكين اشترطا في عملية الإقراض أنه متى حل موعد سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية التورق، فهنا اجتمع في هذه المعاملة سلف وبيع.
المخالفة الخامسة: أنهما داخلتان في حديث " نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة".
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة. وفي لفظ " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"(27).
قال الإمام الخطابي – رحمه الله - في بيان معنى الحديث:" كأن يسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهر. فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الأول كانا مرتبين" معالم السنن (2/104)
وتوضيح ذلك: أن المراد به قلب الدين على المعسر في صورة بيع الدين المؤجل على المدين إلى أجل آخر بزيادة عليه.
ووجه الشبه بين هذا التفسير وعمل البطاقتين كالتالي:
ففي عمل البطاقتين لما حل الأجل وكان صاحب البطاقة مديناً للبنك بريالات، وليس عنده ما يوفيه، فكأنه باع هذا الدين بدين آخر إلى أجل مع زيادة، ولكن أدخلا بينهما سلعة عن طريق التورق. فاجتمع في المعاملة بيعان، فإما أن يأخذان بالبيع الأول وهو الدين الأقل، وإما أن يتمان البيع الثاني، فيقعان في النهي وهو الربا.
وهذا التفسير للحديث لا يمنع التفسير المشهور عن شيخ الإسلام وابن القيم بأن المراد بالحديث بيع العينة، من وجهين:
الأول: أن في كلا الصورتين تحايل على الربا.
الثاني: إن من القواعد المقررة عند أهل العلم: أنه إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى وليس بينهما تعارض فإنه يحمل عليهما.
فكل معاملتين ظاهرهما الصحة وباطنهما التحايل على أكل الربا فهما داخلتان في النهي الذي في الحديث، فيشمل الحديث بيع العينة وقلب الدين وغيرها من المعاملات.
وأخيراً:
هذه بعض المخالفات على هاتين البطاقتين، وأحسب أن هذا البحث ما هو إلا بداية لبحوث أخرى من العلماء وطلاب العلم المهتمين بهذه المعاملات، وإني أدعو الباحثين إلى تجلية هذا الأمر وزيادة بحثه، حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم.
فوالله لو ترك هذا الأمر ومر مرور الكرام فلن يكون ربا في البنوك، وسينتهي الربا إلى غير رجعة بالتحايل عليه، وسيصعب رد الناس عنه إذا انغمسوا فيه.
ونحن بأمس الحاجة إلى الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، فالأمة تعيش في عصر تكالب عليها أعداء الله من كل جانب، والنصر لا يأتي إلا من عند الله، وكيف ندعو الله النصر؛ ونحن نحاربه بأكل الربا .
كما أدعو القائمين على الهيئات الشرعية الذين أجازوا مثل هذه المعاملات أن يبينوا لنا مسلك إباحتهم لهذه المعاملة بالأدلة الصريحة الصحيحة، حتى تظهر للعيان حجج الطرفين ومسلك كل فريق.
وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وان يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على خاتم رسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(1) بطاقات الائتمان، للشيخ بكر أبو زيد ص 11
(2)انظر: الإجماع لابن المنذر ص 95، المغني (6/436) ط هجر.
(3) مجموع الفتاوى (29/419)
(4) (3/62)
(5) الفتاوى السعدية (ص 353).
(6) الفواكه الدواني 2/101.
(7) المصدر السابق.
(8)انظر: شرح حدود ابن عرفه ص253، الفواكه الدواني 2/101.
(9)رسالة المداينة للشيخ محمد العثيمين رحمه الله (ص 14-15).