نظرة استشرافية
بالرغم من كل ما يكيده اليهود الصهاينة واليمين المسيحي للمسلمين، فإن الله تعالى راد كيدهم في نحرهم، وجاعل عاقبة مكرهم خسارة عليهم: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾. فمآل ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية أقرب إلى أن يكون وبالاً على الاقتصاد الأمريكي من أن يكون إنقاذاً له من الكوارث التي تهدده.
فمن جهة ستكلف هذه الحرب ما لا يقل عن 75مليار دولار من النفقات المباشرة، أما النفقات غير المباشرة -سواء أثناء الحرب أو بعدها- فقد تصل إلى 300 مليار دولار، كما أن نشوب الحرب ساهم في استمرار حالة الكساد التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي منذ العام 2001م.
ومن جهة أخرى فإن هذه الحرب ستجعل الولايات المتحدة دولة تعيش حالة من المواجهة مع الدول الأخرى، خاصة روسيا وأوروبا، وهو أمر قد يُحيي من جديد عهد الحرب الباردة. وهذه الحرب ستكلف الإدارة الأمريكية مبالغ طائلة لمدد طويلة، على غرار ما كبدته الحرب الباردة إبان الثمانينيات للاقتصاد الأمريكي، ويكفي أن نعلم أن تحوُّل الولايات المتحدة من أكبر دولة دائنة، إلى أكبر دولة مدينة كان نتيجة لسباق التسلح الذي بدأه ريجان -آنذاك- (1980-1988)، وكان المقصود منه هو استنزاف الاقتصاد السوفييتي إلى حد الانهيار، وقد حصل هذا بالفعل حيث انهار جدار برلين في 1990م وتفكك الاتحاد السوفييتي، تماماً كما كانت تهدف الإدارة الأمريكية. لكن ماذا كان الثمن الذي دفعته؟ إنه أكثر من 6 تريليون دولار من الديون تدفع عليها فوائد نحو 200 مليار دولار سنوياً، وهذا يعني أن الولايات المتحدة لن يكون بمقدورها الدخول في حرب باردة جديدة أو سباق تسلح آخر، إذ ليس بوسعها أن تقترض مثل هذا المبلغ مرة أخرى، ولا يبعد أن تكون هذه الحرب الباردة- إذا انطلقت- سبباً لتزعزع الولايات المتحدة وتصدعها، على غرار ما حصل للاتحاد السوفييتي من قبل ﴿جزاءً وفاقاً﴾.
ومن جهة ثالثة فإن الولايات المتحدة ستصبح مهددة أمنياً أكثر من ذي قبل، وستكون من ثم أقل جذباً للمستثمرين. وإذا علمنا أن نسبة كبيرة من السندات الأمريكية يملكها أجانب، فإن تراجع هؤلاء عن شراء السندات الأمريكية سيؤدي إلى تناقص قيمتها ومن ثم تدهور قيمة الدولار، وهذا من شأنه أن يهدد قدرة الخزينة الأمريكية على الوفاء، ومن ثم يهدد منزلة الدولار كونه عملة رئيسية عالمية. جميع هذه المتغيرات تصب في خانة إضعاف الاقتصاد الأمريكي وتراجعه، أكثر مما لو لم تدخل الحكومة الأمريكية هذه الحرب.
فالحاصل أن محاولة إنقاذ الاقتصاد الأمريكي من خلال الاستيلاء على مقدرات الشعوب الأخرى بالقوة، أقرب إلى أن يفاقم من مشكلاته ويضاعف من حدتها منه إلى أن يعالجها أو يقضي عليها، وهذه نتيجة طبيعية للظلم والبغي والطغيان.
واجبنا
قديماً أمر الله تعالى المسلمين أن يتعظوا بما جرى لبني قريظة، بقوله ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾. والمنطق نفسه يوجب علينا أن نعتبر بما يجري الآن، فتدهور الاقتصاد الأمريكي نشأ من مشكلتين جوهريتين: الديون الربوية، والانحراف الأخلاقي. فإذا أرادت دولة ما أن تبني مجتمعها بناء متيناً، فعليها أن تتحصن بقوة ضد هذين المرضين: الربا والزنا. والمسلمون أولى الناس بذلك، فهم يملكون الإطار الفكري والعقائدي اللازم لبناء مجتمع متماسك أخلاقياً واقتصادياً، كما أن الشريعة الإسلامية نظمت العلاقات الاجتماعية والتصرفات المالية بشكل محكم ليس له مثيل في أي نظام تشريعي آخر. وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذين الأمرين خصوصاً، بقوله: "ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم العقوبة" رواه أحمد وأبو يعلى (صحيح الجامع 5634).