اليوم تبلغ ديون الحكومة الفدرالية المعلنة أكثر من 6 تريليون دولار، في حين يقدر الخبراء أن الديون غير المعلنة (التي تقترضها الحكومة من صندوق الضمان الاجتماعي ونحوه) قد تصل إلى مقدار مماثل. وتتراوح الفوائد التي تدفعها الحكومة من الميزانية بين 170-220 مليار دولار سنوياً. أما العجز التجاري فيبلغ نحو 500 مليار دولار سنويا، في حين يبلغ إجمالي مديونية الاقتصاد الأمريكي (القطاع العام والخاص عدا القطاع المالي) أكثر من 19 تريليون دولار (هذه الأرقام مستخلصة من إحصائيات البنك الاحتياطي الفيدرالي).
والمؤشرات تدل على أن المديونية الأمريكية في ازدياد. وباتفاق الخبراء، فإن هذا النمو لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالديون تجعل الاقتصاد مكبلاً بقيود الفوائد المستحقة سنوياً، ولا مفر للتخلص من هذه القيود التي تنمو وتزيد مع الزمن سوى البحث عن موارد جديدة. ولا شك أن أهم وأخطر الموارد اليوم هو النفط، وإذا كان العراق يرقد على ثاني أكبر مخزون من النفط في العالم، وكان النظام العراقي يُعد خارجاً عن القانون لأسباب شتى، فالنتيجة الطبيعية هي توجه الأطماع إلى هذا المخزون، وتحويله لإنقاذ الدولة الأقوى في العالم من الإفلاس، بدلاً من بقائه بيد نظام منبوذ دولياً. ولذلك لم يكن غريباً أن يتزامن تحذير المحللين من تهديد الإفلاس الذي تواجهه الحكومة الأمريكية، وإعلان موديز لمراجعة الملاءة المالية لسندات الخزينة، مع ظهور الخطة الداعية إلى احتلال العراق والتحكم في موارده النفطية. لكن إدارة الرئيس كلينتون لم تكن ترغب في تحمل الأعباء السلبية لهذا القرار، خاصة في غياب الفرصة الملائمة محلياً ودولياً، ولذلك أخرت الموضوع ليكون من نصيب الإدارة التي تليها.
التركيب السكاني
لو لم يكن الاقتصاد الأمريكي يعاني إلا من المديونية لكفاه، لكن هناك مشكلة أخرى من شأنها أن تسبب كارثة للاقتصاد الأمريكي ما لم يتم علاجها بشكل فعال، لكن مع غرق الاقتصاد في المديونية، يتعذر العلاج ومن ثم تتضاعف الكارثة.
هذه المشكلة باختصار هي تزايد نسبة كبار السن والمتقاعدين في المجتمع الأمريكي، وفي المجتمعات الغربية عموماً، وهي نتيجة طبيعية لتناقص معدلات المواليد من جهة، ونقص معدلات الوفيات المبكرة من جهة أخرى. وتناقص معدلات المواليد بدوره نشأ من تدهور وضع الأسرة في الغرب، وشيوع العلاقات غير الشرعية وانفراط القيم الأخلاقية.
ومع تزايد نسبة كبار السن وتناقص نسبة الشباب والقادرين على العمل، يتزايد عبء الضمان الاجتماعي الذي يوفر التقاعد لكبار السن، من خلال مساهمات العاملين عبر ما يسمى (ضريبة الضمان الاجتماعي) وذلك أن الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة مبني على إعطاء المتقاعدين مستحقاتهم من خلال ضريبة الضمان الاجتماعي التي تفرض على العاملين. فكلما كانت نسبة المتقاعدين إلى العاملين أقل، كلما كانت التعويضات المتاحة للمتقاعدين أوفر، والعكس بالعكس. والحاصل هو أن هذه النسبة تتناقص مع الزمن، حيث يتوقع أن تبلغ نسبة نمو شريحة المتقاعدين (الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً) 90% خلال العقود الثلاثة القادمة، لتصل إلى 69 مليوناً، بينما تنمو شريحة العاملين (ممن هم دون 65 عاماً) بمعدل 15% فقط، لتصل إلى 195 مليوناً. وبذلك يتوقع أن تكون نسبة المتقاعدين إلى العاملين في 2030م 2:1 بحيث يكون لكل متقاعد عاملان اثنان فقط. في حين كانت هذه النسبة أول ما أنشئ الضمان الاجتماعي قبل نحو 70 عاماً تبلغ 50:1 ، أي خمسين عاملاً لكل متقاعد.
وسيترتب على ذلك أن تصبح الميزانية اللازمة للضمان الاجتماعي تعادل 15% من الدخل المحلي للاقتصاد الأمريكي، أو ما يعادل تقريباً 2.5-3 تريليون دولار سنوياً (بناء على ما جاء في تقرير لجنة الكونجرس للميزانية المعد في 2001م).