( ثانياً ):ينبغي ألا نغترّ بهذه البشائر الواردة في السنة، وألا نتَّكِل عليها ونتواكل بسببها؛ فقد لا نكون نحن هذا الجيل المقصودين بها، وينبغي ألا نزكي أنفسنا فقد نُبتلَى بتسليط العدو علينا، حسب ذنوبنا، وحالنا وحال قلوبنا، وحال قياداتنا وحكامنا؛ وقد نكون نحن وقودَ المعركة، والذي سيجني ثمار النصر غيرنا، مسلمون آخرون يُوَفُّون بشروط النصر، وقد نشهد نحن بشائر النصر وبوادره بعد ابتلاء شديد وحوادث جِسَام..
نقول هذا لننبه المسلمين إلى سنن الله التي لا تتبدل، منها أنه لابد من التطهير قبل النصر، وأن النصر لا ينزل على الكسالى والغافلين..
ومن سنن الله العجيبة أنه يحمي بنفسه قلبَ العالم الإسلامي وهو الحرمان المقدسان مكة والمدينة، فلا يقتحمهما الأعداء، وفي الملاحم الأخيرة يحاول المسيخُ الدجال اقتحامهما وهو يهودي فلا يستطيع، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المدينة النبوية تحميها منه الملائكة يجدهم على أنقابها شاهري السيوف وأنقابُها يعني مداخلها(4).
ولكن الأعجب من هذا أنه لا حصانة لهاتين المدينتين المقدستين من الظّلمة والمنافقين من حكام المسلمين؛ فلقد ابتُلِيتا بشرورهم في مراحل التاريخ السابقة، ووقائع الحرة بالمدينة النبوية، وهدم الحجاج للكعبة بالمنجنيق، ثم غزو القرامطة لمكة، أشهرُ من أن تُذكر..
لكن تَأمَّل: لم يقتحم مكة يوماً من الأيام عدو كافرٌ يهوديٌ أو نصرانيٌ أو مجوسيٌ، أو غير ذلك؛ ولما حاول " أبرهة " الحبشيُّ النصرانيُّ حَمَى الله بيته منه بأضعف خلقه ( الأبابيل ) طيور صغار جاءت من جهة البحر ؛ ولكن تَقَحَّمَ مكة ( القرمطي ) الرافضي المنافق وقتل الحجاج في المسجد الحرام، هذا نوعٌ من البلاء لم تُمنع منه المدينتان؛ إذْ أن أهلها مثل باقي المسلمين، إذا كثُرت ذنوبهم وأساءوا الأدب مع هذا الجوار المقدس فإنهم يُعاقبون ويطهَّرون بأنواع من البلايا والفتن، ليس منها ظهور العدو الكافر من اليهود والنصارى وغيرهم ؛ لأن في هذا ذهاب الإسلام، واستئصال هذه الأمة، وهذا ممنوع.
( ثالثاً ):التاريخ يعيد نفسه، ويكرر عظاته ودروسه الجِسَام، ولكنّ أكثر الناس لا يفقهون، بل لا يقرؤون، لو كنا نقرأ التاريخ ونستفيد من تجاربه ودروسه إذن لكان حالنا أحسن مما هو عليه الآن، الحوادث الكبرى تتكرر، والعلل والآفات تتكرر، وأسباب الدمار والانهيار هي نفسها..
في القرون الثلاثة الخامس والسادس والسابع هبَّت على الأمة عواصفُ هائلة كادت تقتلعها من جذورها: بدأت بهجوم الصليبيين على جناحها الغربي الذي انتهى باحتلالهم لـ( بيت المقدس)، ثم هجوم المغول على جناحها الشرقي الذي انتهى بتدمير بغداد وإسقاط الخلافة العباسية، أعظم خلافة بعد (الراشدين ).
والعجيب المؤلم أنه في كلا هذين الهجومين الخطيرين كان ( الروافض ) من داخل الأمة يمثِّلون (الطابور الخامس)، فكانوا يراسلون الصليبيين يحرّضونهم على مهاجمة الشام، وكان ( ابن العلقمي ) الوزير الرافضي لآخر خليفة عباسي يراسل المغول، يدلهم على عورات المسلمين، ويحرّضهم على مهاجمة بغداد، واليوم والجيوش الصليبية الأمريكية واليهودية الصهيونية تُطوِّق الأمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب فإن المسلمين ينبغي ألا يأمنوا غدرَ الروافض وغوائلهم.
عند هجوم الصليبيين، وكذلك عند هجوم المغول كانت الحالة السياسية في غاية من التردي، الحكام من أمراء وسلاطين متفرقون متناحرون وعاجزون أمام العدو الغازي، حتى بلغ الخبث بالخليفة الفاطمي في مصر - وهو رافضي - أن راسل الصليبيين يحرضهم على غزو الشام نكاية بالسلاجقة الذين كانوا يحكمونها وهم سنيون..
والآن تفرج على حال حكامنا : متفرقون متناحرون، متفقون على ألا يتفقوا ويكيد بعضهم لبعض، ويتسابقون للغدر بأشقائهم وشعوبهم؛ ولتقديم خدماتهم للعدو الذي يتربص بهم جميعاً.